علوم وصحة

لولاه لأصبحت الحياة بوتقةً من نار.. التسامح في ميزان العلم

تعتبر ثقافة التسامح فضيلة إنسانية وهي صفة سلوكية زرعها الله في البشر، سواء كانوا أمراء أو خفراء، فقراء أو أغنياء، سعداء أو أشقياء. وتتفاوت درجة التسامح من إنسان إلى آخر كما تتفاوت نسب طولنا ووزننا وعرضنا وملامحنا.

وذُكر التسامح في القرآن، فقد قال الله -سبحانه وتعالى- في محكم كتابة العزيز: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (سورة النحل 125)، ويقول تعالى أيضًا: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” (سور الأعراف 199)، وتبين هاتين الآيتين الكريمتين، أن ثقافة التسامح حث عليها الدين الإسلامي وغرسها في نفوس وضمائر البشر من أجل التخلي عن المشاكل الاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية كالكراهية والحقد والضرب والعنف والقلق التي تترك آثاراً هامة في حياة الأفراد داخل المجتمع.

وأهمية التسامح تعلو بعلو الموقف وعلو المكانة؛ فالقوي الذي يملك نفسه عند الغضب فدرجة تسامحه عالية، وصاحب السلطان الذي يتسامح هو في درجة أعلى لأن في تسامحه تكمن الرحمة والعدل والمساواة. ويدل تسامح الضعيف للقوي على درجة عالية لأن في رحم تسامحه تكمن المغفرة والرفعة والسمو.

ويعد العضو المسئول عن التسامح فينا، العقل الذي محله القلب والذي بناءً على قراراته في التسامح تقوم الجوارح بدءًا من المخ إلى الأيدي والقدم واللسان وباقي الجوارح في تنفيذ ثقافة التسامح والغفران.

ولأن عملية التسامح تحدث في الطبقات العليا من قشرة المخ فهو يفوق كل الصفات الأخري منها الحب؛ فإذا فقد المرء ثقافة التسامح فقد الحب والتعاون والرحمة والإنسانية، وفقدنا حقنا في حلو الحياة الدنيا والآخرة.

ويوجد خلايا محددة في الجسم تتسامح، ولكن هل كل الخلايا الجسدية يجب أن تتعلم ثقافة التسامح ولماذا؟ في الواقع الخلايا المناعية هي أكثر الخلايا الذي يقع عليها مسئولية التسامح ولذلك فلابد من تعلمها التسامح وتتدرب عليه لأن لديها القدرة علي مهاجمة الغير إذا لزم الأمر. وقد يصل هذا الهجوم إلى درجة القتل مع سبق الإصرار والترصد.

ولذلك، فقد خُلق التسامح في الخلايا المناعية التي تعلمت بأسلوب دقيق جدًا وفي أماكن وتوقيتات محددة كيف تتعرف على الصديق فتتسامح معه وتتركه طليقًا حرًا دون أذى وتهاجم العدو فور دخوله الجسد فتتخلص منه فورًا. وإن لم تستطع أن تقتل العدو فتقوم بإعطاء إنذارًا لمد يد العون الخارجي أيًا كان نوعه وكمه ومصدره. وعلى هذا الأساس من ثقافة التسامح تعيش الخلايا في سلام تام فلا يحدث أبدًا عراك بين الخلايا المناعية والخلايا الجسدية الأخرى حتى لو حدثت بعض التغيرات في سلوك الأخيرة. ولكن بالطبع للتسامح حدود، كما سنرى بعد ذلك.

ويولد خاصية التسامح، والتي تعرف بمصطلح TOLERANCE، بالخلايا المناعية الكامنة في جيناتها ولكنها تتعلمه وتتدرب عليه في أماكن محددة في الجسم فور ولادتها وقبل أن تحصل على رخصة مزاولة المهنة في مهاجمة وقتل كل ماهو غريب.

وتخرج على الأقل ١٣ نوع من الخلايا المناعية، فور تمام نضجها من أماكن التدريب هذه لتدور جميعًا في الدم ومنه إلى جميع خلايا الجسم من أصبع الرأس حتي أخمص القدم تبحث عن أي جسم غريب سواء كان على هيئة بكتيريا أو فيروس أو دودة أو أي طفيل أو أي منتج من المنتجات الميكروبية لتهاجمه.

وتنحصر الأماكن التي تتعلم وتتدرب فيها الخلايا المناعية على ثقافة التسامح في الغدة التوتية الموجودة فوق القلب، ونخاع العظم الذي يمثل “الرحم” الذي يحتضن جميع الخلايا المناعية لفترة محددة كالأجنة ثم ينقبض في مواعيد محددة ليلد تلك الخلايا علي دفعات. ومنها من يُخرج جنينًا كاملًا أو ناقص النمو فيحتاج إلى فترة حضانة أخرى.

وتخرج جميع الخلايا المناعية من نخاع العظم والغدة التوتية وقد تعلمت كيف ومتى تتسامح وإلى مدي تسامح بطريقة ممنهجة تحكمها قوانين منظمة بعيدة عن أي همجية أو عشوائية.

والخلية الوحيدة التي تخرج من نخاع العظم جنينًا غير ناضجًا وتهاجر إلى الغدة التوتية لتتعلم التسامح هناك؛ هي الخلايا التائية حيث يتم نضجها وتعليمها وتدريبها هناك على ثقافة التسامح مع جميع خلايا الجسد صغيرها وكبيرها، فلا تخرج منها إلا وقد تعلمت جميع أصول التسامح طالما لم تقم خلايا الجسد بإيذائها أو إيذاء جيرانها.

إذًا فالأماكن التي تتعلم فيها الخلايا المناعية التسامح وتتدرب عليه هي نخاع العظم (خاصةً الموجود في العظام الطويلة أو العريضة) والغدة التوتية (لأنها تشبه ثمرة التوت) الموجودة فوق القلب مباشرة. وهذا التسامح مبرمج أي يتم أوتوماتيكيًا في الخلايا رضت أم أبت، ولو أبت تموت فورًا في أماكن التدريب هذه.

والسؤال البيولوجي الآخر هو: هل من الممكن أن تفقد الخلايا المناعية صوابها وتفقد القدرة علي التسامح؟ وما هي عواقب فقدان التسامح؟

الإجابة بنعم. فمع أن برامج التدريب والتعلم على التسامح في هذه الأماكن دقيقة جدًا ومتخصصة للغاية بحيث تضمن لكل خلية تخرج منها القدرة على التسامح إلا أن هناك نسبة خطأ في هذا التدريب أو التقصير فيه ولو بنسبة ١ في المليون. ومع أن هذه النسبة تعتبر ضئيلة جدًا إلا أنها لو حدثت فلسوف تؤدي إلى خروج خلايا مناعية فاقدة القدرة على التسامح فتبدأ في مهاجمة بعض الخلايا الذاتية.

ويتحدد بقدر نوع الخطأ أو التقصير، نوع الخلايا الجسدية التي سوف تهاجمها الخلايا المناعية. وقد يحدث فعلًا أن تفقد الخلية المناعية خاصية التسامح نتيجة لأسباب عديدة؛ الكثير منها مازال مجهولًا والقليل منها معلومًا. ولكن هناك سببين رئيسيين:

  • والسبب الأول لفقدان خاصية التسامح: هو حدوث قصور أو خطأ ولو بسيط أثناء التدريب أو التعلم على خاصية التسامح من قبل الخلايا المناعية التي لها القدرة على قتل الأعداء أو المساعدة في عملية القتل؛ وهي الخلايا الليمفاوية (Lymphocytes) بنوعيها التائية أو البائية أو الطبيعة القاتلة (Natural killer cells). أما بالتسبة للخلايا الليمفاوية التائية (سواء المساعدة أو القاتلة) فقد ترتكب خطأ ولو بسيط أثناء التدريب والتعلم على ثقافة التسامح في الغدة التوتية. أما بالنسبة للخلايا الليمفاوية البائية (B Cells) فقد ترتكب خطأ أثناء التدريب والتعلم على التسامح في نخاع العظم.
  • والسبب الثاني لفقدان خاصية التسامح: هو نتيجة تغيير جوهري في شكل أو سلوك خلايا الجسد أيًا كان نوعها نتيجة تعرض الجسم لعدوى شديدة أو درجة حرارة عالية أو طفرة في تركيب جين محدد في الخلية أدت إلى تغيير طفيف في تركيب أو شكل بروتين محدد في الجسم مما جعله يبدو بروتينًا غريبًا عن الجسم، وبالتالي تبدأ الخلايا المناعية في التعامل معه كجسم غريب فتؤذي الخلية التي بها هذا البروتين ويصاب الإنسان بما يسمي الأمراض ذاتية المناعة.

وأيًا كان سبب فقدان التسامح من قبل الخلايا المناعية فإن عواقبه وخيمة حيث يؤدي حتمًا إلى مرض مناعي تقوم فيه الخلايا المناعية بمهاجمة الذات على أنه غريب. والأمثلة لهذه الأمراض كثيرة منها الروماتيد الذي يصيب المفاصل والتهاب القولون والتهاب الغدة الدرقية والتهاب البنكرياس ومرض الذئبة الحمراء والصدفية وغيرها من الكثير من الأمراض التي نتجت بسبب فقدان بعض الخلايا المناعية القدرة على التسامح فقامت بمهاجمة هذه الأنسجة فهتكتها.

إذا، التسامح ظاهرة موروثة ومبرمجة في الخلايا المناعية وهي الأساس في التعامل مع أي خلية مجاورة في الجسم في سلام تام. أما الاستثناء فهو فقدان ظاهرة التسامح وإلا انشغل الجسم بتدمير نفسه بنفسه بدلًا من أن ينشغل بتدمير الأعداء من الميكروبات.

وهذا ما يحدث تمامًا بين البشر إذا اعتبرنا الجميع بنيانًا واحدًا لجسد واحد يشد بعضه بعضًا، كما شبه رسول الله العلاقات الانسانية بين البشر “كالجسد الواحد فإذا اشتكي منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي”. وينطبق هذا التشبيه على الأسرة وعلى العائلة وعلى الأصدقاء، وعلى فريق العمل، وعلى المجتمع وعلى البشرية ككل.

ولذلك فعلى كل مواطن في المجتمع أن يتحلى بصفة التسامح ويتعلمها بل ويتدرب عليها مرارًا وتكراًا حتي تصبح جزء من تكوينه وسلوكه وإلا حدث قتال وعراك بين طوائف المجتمع، تؤدي إلى أمراض مجتمعية ننشغل بها كأعداء لبعضنا البعض وننسي في خضم ذلك أعدائنا الخارجيين ونتحول إلى هدف سهل للتنكيل.

وتتجلى أهمية ثقافة التسامح عندما ينتقل الإنسان من موطنه إلى موطن جديد فيقابل بثقافة ولغة وعادات جديدة ومختلفة فيصبح في حاجة ماسة إلى أن يسامح الآخر وأن يسامحه الآخر .

وهنا تتجلى أهمية التسامح العالمي بين البشر تمامًا كالذي يحدث عندما ننقل خلايا أو نسيج من إنسان إلي إنسان آخر حيث يتم أخذ كل الإجراءات من قبل الأطباء لحث ظاهرة التسامح في الخلايا المناعية في المستقبل فلا تهاجم الخلايا أو النسيج المنقول حتى يتم تهيئة المناخ وتتعود الخلايا المنقولة علي المكان الجديد المنقولة إليه.

حقًا التسامح صفة الأقوياء والعقلاء فلنتعلم من الخلايا التي تجري في دمائنا.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق