رياضة

لوكا مودريتش: من لاجئ حرب إلى نجم تفوق على ميسي ورونالدو

عندما نتحدث عن وسط ميدان ريال مدريد، فالأكيد أننا نتحدث عن لاعب كبير استثنائي صنع المجد الكروي في بلاده وقلعة الملوك بإسبانيا، إنه فتى الحرب والمعجزة لوكا مودريتش نجم منتخب كرواتيا وأحد أبرز لاعبي العالم في خط الوسط، يعتبر جيله الأفضل تاريخيًا على مستوى كرة القدم الكرواتية، التي ظلت طي النسيان حتى خرجت للوجود في كأس العالم بروسيا وكأس أوروبا الأخيرة، كما يعتبر لوكا مودريتش من بين أفضل لاعبي كرواتيا المحترفين على مر العصور.

حقق مودريتش كل الألقاب الممكنة مع ناديه الحالي ريال مدريد الإسباني، ثم الألقاب الفردية، حينما حصل في العام الماضي على جائزة أفضل لاعب في العالم، متفوقًا على أسماء مميزة، كالأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو، ثم الخارق ليونيل ميسي، فالظاهرة البرازيلية نيمار داسيلفا، وبذلك يكون الكرواتي الأول الذي ينال شرف هذه الجائزة.

سطع نجم الدولي الكرواتي لوكا مودريتش في سماء الكرة العالمية منذ قدومه إلى ريال مدريد الإسباني، حيث سلطت عليه الأضواء وأضحى مادة دسمة للإعلام، بعدما تمكن من كسب رسميته دون مقدمات، فاللاعب جاء إلى الفريق الملكي في فترة ذهبية تواجد خلالها مع الريال ألمع نجوم كرة القدم العالمية، ليبدأ الكرواتي حصد الأخضر واليابس، حيث فاز بكل من دوري أبطال أوروبا أكثر من مرة، ثم كأس العالم للأندية، بالإضافة إلى الدوري الإسباني، حين بات أحد صناع القرار في خط الوسط، رفقة الألماني توني كروس، لكن هذا التوهج ما هو إلا جزء من تألق كبير سيجله أمير أوروبا والعالم على عرش التتويجات الفردية، في زمن هيمنة ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. لذلك فإن تتويجه بجائزة الأفضل في العالم منهياً احتكار استمر 10 سنوات للثنائي البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي، هو إنجاز عظيم سيخلده التاريخ طويلًا بأحرف من ذهب كرواتيا الرفيع.

استطاع لوكا مودريتش أن يقف على مسرح التتويج ليحصد كل شيء ممكن مع الريال، لكن قيادته لمنتخب بلاده كرواتيا لم تكن كالتي بالريال، حتى وإن كانت أكثر رائعة بمونديال روسيا، إلا أن اللقب العالمي الذي راهنت عليه الجماهير الكرواتية بعدما اقترب الحلم من التحقق ضاع في نهائي تاريخي هو الأول لمنتخب كرواتيا، و لم يتمكن نجم الميرنغي من الحصول عليه، عندما خسر من فرنسا على الأراضي الروسية في العام 2018، مكتفيًا بالفضة والاحترام الكبير الذي لقيه من طرف الجماهير العالمية التي تعاطفت مع منتخب بلاده في النهائي على حساب ديكة فرنسا، لكن تواجده مع منتخب بلاده في كأس العالم ووصوله إلى النهائي مهد له الطريق للفوز بالكرة الذهبية، وكان عاملًا إيجابًا في صالحه، تفوق به على باقي منافسيه، ودخل به خانة المتوجين بهذا الإنجاز الكبير.

الكرواتي لوكا مودريتش عاش حياة من جحيم ومعاناة لم تكن سهلة بتاتًا، كانت ولادته في 9 من شتنبر من العام 1985 في زادار بكرواتيا، ولادته التي صادفت بداية دول الاتحاد السوفييتي في التمرد على روسيا، وبدأت حروب طاحنة على الحدود بين العديد من هذه الدول السوفييتية التي كانت تحت حكم الروس حينها، ومن بينها الهجوم التي شنته صربيا على دول الجوار، حرب شردت مئات الأوكرانيين والبوسنيين وغيرهم، وكان لوكا الذي ينتمي لعائلة عاشت سنوات طويلة كلاجئين اضطروا إلى الهروب من أمام الهجوم الصربي خلال الحرب البوسنية، واحدًا من هؤلاء الفارين من جحيم الحرب الصربية، فاضطرت العائلة إلى العيش في فندق بأحد المدن بعيدًا عن الحرب، حيث كانت والدته عاملة نسيج ووالده كان ميكانيكياً حربياً، وكان لوكا طفلًا مشاغبًا بشكل كبير، عادةً ما يقوم بتكسير زجاج الفندق والممتلكات المحيطة به.

عاش مودريتش أيام الحرب العصيبة، بين الحفر وتحت النيران، بجانب الدمار والقتلى، لكن صدمة مقتل جده في إحدى الغارات كانت أكثر تأثيرًا عليه وظلت راسخة في ذهنه، لكنها أعطته مناعة أقوى ليكون ذو شخصية قوية، فالتجارب القاسية التي عاشها مكنته من اكتساب شخصيته قوية داخل الملعب، وزرعت فيه روح الانتصار، حتى أنه يسعى دائماً للفوز والوصول إلى القمة مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن؛ ولذلك فضل ريال مدريد الإسباني على أندية أخرى. وإلى جانب صعوبات الحرب واجه أيضًا صعوبة في إقناع الآخرين بموهبته، فجسده الضعيف لا يساعده على اللعب مع نادي معين بالمقارنة مع أقرانه في نفس المرحلة العمرية، لكن موهبته كانت أقوى من أي عائق.

وهنا، سندرج حديثًا لمكتشفه، جوسيب باسلو رئيس نادي “ان كي زادار” الذي كان أول من اقتنع بموهبته وضمه لصفوف فريقه وقال: “كان هناك طفل صغير نحيل يلعب كرة القدم طول الوقت أمام أحد الفنادق، ولكن سرعان ما تظهر أمامك موهبته”.

سرعان ما تحول النجم لوكا مودريتش إلى لاعب كامل القوام، تتابعه أعين العديد من الأندية الكرواتية وكشافي الأندية الأوروبية، وخلال العام 2000 تمكن مودريتش من اللعب لنادي “دينامو زغرب”، أحد أشهر الأندية هناك على الإطلاق، حيث لعب له 3 سنوات في فريق الشباب، ولم يتمكن من الصعود إلى الفريق الأول، لتتم إعارته لفريقي “زرينيسكي موستار”، ومنه إلى ” إنتر زابرشيتش”.

وفي العام 2008، بدأ الفتى الأشقر مرحلة جديدة في حياته الكروية، مع تحدي جديد هو الأصعب في مسيرته الكروية على الإطلاق، حيث سينضم لصفوف نادي توتنهام هوتسبير الإنجليزي كأول تجربة احترافية له خارج كرواتيا، وهي خطوة كانت ناجحة بكل المقاييس، تمكن من ضمان الرسمية وأضحى المطلوب الأول من كبار أندية العالم، بعدما لعب للفريق اللندني ما بين (2008-2012) في 159 مباراة، سجل خلالها 17 هدفاً، والعديد من التمريرات الحاسمة، لكن دون تحقيق أي بطولة، لينتقل بعدها في العام 2012، إلى ريال مدريد “الحلم الذي انتظره طويلاً” وسريعاً صار من أهم لاعبي القلعة الملكية، وبقية الحكاية تعرفونها بلون الريال.

اقرأ أيضاً: الدوريات الأروبية والعربية بداية النهاية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق