علوم وصحة

لهذا لا لقاح لكورونا حتى الآن.. مصيدة نشر الأبحاث العلمية قبل تحكيمها

انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة نشر الأبحاث العلمية من قِبل الدوريات العلمية المتخصصة، وذلك قبل تحكيمها وقبولها علميًا للنشر من قِبل متخصصين. وتبدو المنفعة في ظاهرها ولكن قد يكمن الضرر في باطنها.

دورة نشر الأبحاث العلمية

لكي تنشر بحثًا علميًا عليك أن تمر بسلسلة من الخطوات الطويلة؛ أولها هي إجراء التجارب نفسها وما يتطلب ذلك من الوصول إلى فكرة غير مسبوقة علميًا، ثم إيجاد التمويل لتنفيذها والمكان والفريق البحثي والوقت والمجهود لإجراء التجارب خطوة بخطوة حتي تحصل علي نفس النتائج مرة ومرتين وثلاث مرات.

وتقوم أنت والفريق البحثي بتحليل النتائج وتفسيرها، ثم كتابتها بطريقة أكاديمية، ثم إرساها إلي دورية علمية معروفة ومحكمة بغرض النشر. وقد تأخذ عملية قبول النشر من 3 -6 شهور لو كنت محظوظًا. هذا هو السلم الطبيعي للنشر العلمي.

نشر البحوث قبل ميعادها

ظاهرة نشر الأبحاث العلمية من قبل بعض الدوريات العلمية بمجرد استلامها وقبل تحكيمها من متخصصين من العلماء، بمعني النشر قبل الطباعة أي قبل تحكيم البحث وقبوله بصورة نهائية من قبل المحكمين.

والهدف من هذه العملية هو إتاحة المادة العلمية بالبحث المقدم بما فيها النتائج على موقع المجلة المقدم لها البحث لكي تكون متاحةً للجميع مجانًا. وأنا كأستاذ جامعي وباحث علمي وكرئيس لتحرير دورية علمية محكمة وعضو هيئة تحرير للعديد من الدوريات العلمية الدولية، وكمحكم في العديد من المصادر المختلفة لنشر الأبحاث العلمية؛ أعترض تمامًا على هذه الظاهرة.

يكمن هدف نشر البحوث قبل ميعادها، في إتاحة نواتج الأبحاث للمجتمع العلمي والصحافة العلمية أولًا بأول ولنيل السبق العلمي للمجلة، إلا أن ذلك قد يمثل خطورةً في تناول نتائج علمية قبل تحكيمها، خاصةً إذا كانت هذه النتائج متعلقةً بصحة الإنسان أو الحيوان أو النبات. كما يحدث حاليًا مع الأبحاث المتعلقة بظهور وآثار وعلاج فيروس كورونا المستجد.

أري أن ظاهرة نشر الأبحاث العلمية قبل تحكيمها والمعروفة بعملية “Preprint” هي ظاهرة تضر أكثر مما تنفع. فالبحث العلمي ونتائجه وخاصة المتعلقة بصحة الكائنات الحية لا يجب إتاحتها سواء للمتخصصين أو العامة قبل تحكيمها ومراجعتها ونشرها في صورتها النهائية؛ وذلك منعًا لإحداث أي بلبلة. ولذلك فأنا ضد هذه الظاهرة تمامًا والتي بدأت تنتشر في الأوساط العلمية في الدول الغربية.

ماذا يحدث عند نشر البحوث العلمية قبل تحكيمها؟

من المعروف أن حوالي على الأقل ٢٠٪ من الأبحاث العلمية المقدمة لعامة الدوريات العلمية يتم رفضها لأسباب علمية متعلقة بالنتائج. وقد تقفز نسبة الرفض هذه إلى ٧٠٪-٨٠٪ في حالة الدوريات العلمية المرموقة مثل: Lancet, JAMA, Science Nature, Cells, Immunity  وغيرها من المجلات المرموقة والتي توثّق في البحوث المنشورة فيها.

وفور رفع البحث علي موقع المجلة تحت تصنيف PrePrint يتم قراءته وتداوله من قبل الباحثين المتخصصين عند بحثهم علي دراسات منشورة متعلقة بأبحاثهم وكذلك من قبل المحررين العلميين Science Communicators or Scientific Journalists  عند بحثهم علي معلومات جديدة عن موضوع من موضوعات الساعة. وهنا تكمن الخطورة خاصة أن الأبحاث العلمية الموجودة في محرك معين علي الإنترنت تلتقطها علي الفور المحركات العامة. مثل: Research Gate, Academia, LinkedIn, Google Scholar والتي تزيد من انتشار ظهور البحث على شبكة الإنترنت.

أضرار نشر الأبحاث العلمية قبل تحكيمها

وهنا تكمن المشكلة؛ وهي إتاحة معلومات علمية ونتائج بين المتخصصين والغير متخصصين وتناولها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل تقييمها والحكم عليها نهائيًا من قبل علماء متخصصين بالقبول أو الرفض.

قد تتعرض بعض الأبحاث للرفض من قِبل المحكمين ولا يتم نشرها في المجلة. وهنا نكون أمام معلومة ربما غير كاملة أو بها قصور علمي وتفسيرات أو نتائج خاطئة. وبذلك نكون قد روّجنا لمعلومات علمية دون الحكم عليها.

على الجانب الآخر، يتعامل عامة الناس مع الخبر المكتوب وليس مع البحث المحكم؛ فالعامة ليست لديهم دراية بأصول النشر العلمي ودورته وخطواته المجهدة والطويلة جدًا بالطبع لضمان أن ما ينشر هو موثوق فيه وغير قابل للشك.

ليس هذا فقط، بل قد يصل الأمر أحيانًا أن يتم سحب بعض الأبحاث العلمية التي تم تحكيمها ونشرها بعد ثبوت تقصير في تصميم التجارب أو تفسيرها لأسباب علمية أخرى حتي ولو كان البحث منشور في دورية علمية مرموقة مثل: اللانسيت The Lancet.  وهذا ما يحدث كثيرًا وكان آخرها سحب البحث Retraction الذي تم نشره عن الهيدروكسي كلوروكوين Hydroxy chloroquine كعلاج لفيروس كورونا بعد أن تأكد أن البحث تم إجراءه علي عدد صغير من العينات وأن النتائج لم تكن مشجعة عند تجربة العلاج على الكثير من المرضي. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى لأبحاث تم سحبها بعد تحكيمها ونشرها فما بالنا بأبحاث لم يتم تحكيمها أصلًا.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في عدم حذف البحث من على موقع المجلة حتى بعد رفضه مما يمثل معضلةً كبيرةً لصاحب البحث وفي وجود البحث علي مواقع البحث العلمي، وذلك عندما يقوم الباحث بتقديم نفس البحث للنشر في مجلة علمية أخري وتقوم المجلة الجديدة بالتأكد من عدم نشر هذا البحث أو أحد أجزاءه من قبل بعملية إلكترونية تسمي Plagiarism or  Similarity Checkفللأسف تظهر النسبة عالية جدًا قد تصل إلى ٨٠٪ وهي أعلي بكثير من النسبة المسموح بها في التشابه وهي ٢٠-٢٥٪% والتي تقبلها معظم الدوريات العلمية. وهنا يقع الباحث وفريقه في مشكلة كبيرة فلا البحث قُبِل للنشر في المجلة الأولي ولا قُبِل للتقديم في المجلة الثانية فيقع بين نارين.

وهذا ما حدث معي شخصيًا والفريق البحثي لنا، فقد تقدمنا ببحث قيّم جدًا تم اجراء معظمه في أمريكا للنشر في دورية مرموقة والتي وضعته فورًا على موقعها قبل تحكيمه تحت تصنيف Preprint وبعد أكثر من شهرين من مراجعة المحكمين تم رفض البحث لأسبابٍ علمية لا تقلل منه على الإطلاق، ولكننا احترمنا وجهة نظر المحكمين وقرار رئيس تحرير للمجلة.

وعلي الفور قمنا بإرسال البحث إلى مجلة أخري وجاء الرد بالرفض بسبب أن نسبة التشابه زادت عن ٨٠٪. وعندما بحثنا في تقرير التشابه وجدنا أن المصدر يعود إلى البحث الموجود علي موقع Preprint. وعبثًا حاولنا مخاطبة الموقع وحذف البحث إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل بالرغم من حقنا في طلب حذفه بسبب رفضه من المجلة نفسها. وبالطبع قابلتنا هذه المشكلة في كل مرة حاولنا فيها تقديم البحث للنشر في مجلة أخرى حتى تم قبوله والحمد لله من مجلة بعد تقديم كل المراسلات التي تدل على سبب مصدر التشابه وعدم نشر البحث.

الحل لتفادي أضرار نشر الأبحاث قبل تحكيمها

لكل هذه الأسباب، أنا ضد نشر البحوث قبل تحكيمها لأنها تحدث بلبلةً في الوسط العلمي مما يفسر تناقض المعلومات من وقت لآخر. وكل ما نملكه حاليًا هو توخي الحذر من نشر معلومات غير موثقة ومن غير أهل الاختصاص منعًا لحدوث بلبلة وتضارب علمي ومعلوماتي وفقدان المجتمع الثقة في البحث العلمي.

ولأنه لم يعد هناك حاجزًا كبيرًا بين أصحاب العلم والمستفيدين منه يوميًا خاصةً في الأزمات الكبري، فلابد من توخي الحذر وأن نحصل على المعلومة من أهل العلم والخبرة فهم الأدري بصحة ومصدر المعلومة. وفي ذلك تحقيقًا لقول الله -سبحانه وتعالى- في سورة النحل: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)”. فأهل الذكر أي العلماء أهل العلم في كل عصر وزمان ومكان، وهم الذين يجب أن نرجع لهم قبل نشر المعلومات للعامة.

ولهذا السبب، أدعو بشدة إلى إعداد جيلٍ متخصصٍ في الإعلام العلمي من خريجي الكليات العملية وخريجي أقسام الصحافة والإعلام. ويعد هذا الجيل مهنيًا ليكون قادرًا على التحقق من المعلومة قبل نشرها وتداولها. وهذا التخصص للأسف غير موجود بالدول العربية، وقد ناديت بشدة بوجوده من خلال العديد من المقالات والمحاضرات العامة.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق