أسلوب حياة

لن أعيش في جلباب النوستالجيا

هل حاولت تفسير الشعور الغريب الذي يجتاحك عند الاستماع إلى موسيقى تحبها وأعدت سماعها كثيرًا؟، ربما فقط تشتاق لوقت عاصرته وغير موجود الآن، الأمر يتلخص في كلمة واحدة النوستالجيا أي الحنين للماضي.

نوستالچيا، هي كلمة يونانية الأصل كانت تعني المرض الناتج عن حنين الأشخاص إلى الماضي. وُصفت قديمًا أنها حالة مرضية ولكن مع فهمها أكثر أصبحت تعني الكثير؛ فعلماء النفس مثلًا يعتبرونها مشاعر معقدة، حيث تعتبر النوستالجيا شيئًا إيجابيًّا وسلبيًّا في نفس الوقت. ولكنها أكثر من مجرد ذكريات، وببساطة أصفها بأنها إحدى طرق الاتصال بالأشياء (العلاقات والخبرات) التي جعلتنا نحن الآن.

تخبرنا بعض الدراسات التي نُشرت في جامعات (ساوثامبتون وداكوتا الشمالية وميسوري) أن الأشخاص الذين يشعرون بالحزن أو الوحدة أكثر يميلون ليكونوا (Nostalgic) أكثر من هؤلاء الذين يشعرون بالبهجة أو الحيادية، ولكن رغم ذلك وجد آخرون أنها تساعدنا أكثر على التعامل مع المشاعر السلبية.

ولاختبار ذلك، طُلب من ٥٠ إلى ١٢٠ شخصًا التفكير في شيءٍ يثير الحنين إلى ماضيهم أو فقط الحنين لشيء فعلوه بالأسبوع السابق. ووفقًا للاستبيانات، فإن الأشخاص الذين شعروا بالحنين أو النوستالجيا تحسَّن مزاجهم واحترامهم للذات، بل وأصبحوا أكثر ارتباطًا مع الناس وقلَّ قلقهم بشأن العلاقات عامةً.

أرى أنك تتساءل، لماذا لا ينتابنا النوستالجيا بمعنى أن نشعر بالحنين ناحية كل شيء في الماضي؟ أو فقط ناحية الدقيقة السابقة مثلًا؟ يرتبط الموضوع بشيء اسمه (Reminescence bump) والتي يفسرها لنا منحنى يطلق عليه (lifespan retrieval curve) حيث يخبرنا أنه يتم تخزين كمٍ أكبر من الذكريات في الوقت ما بين سن الـ١٥ إلى ال٣٠ عام؛ لأنه الوقت المرتبط أكثر بتحديد هويتنا الشخصية. ولأننا نميل لأن تكون هويتنا إيجابية بالطبع نتذكر الأشياء الإيجابية أكثر. فترى أجدادك مثلًا أو أنت نفسك تقول أشياء مثل “وكانت أيام“ أو تتساءل “أين زمن الفن الجميل؟“، متجاهلًا الأشياء السيئة التي حدثت حينها.

«الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد. لكن لا أحد يحن إلى جرحه، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس، بل يحن إلى ما قبله، إلى زمان لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى التي تذوِّب الوقت كقطعة سكر في فنجان شاي»

محمود درويش، في حضرة الغياب

رغم أنه قد ينتابك الحزن أحيانًا وقت الحنين إلا أن النوستالجيا قد تكون شيئًا مهمًا جدًا، أنا أشبهها بالسفر بالزمن.. يا للجمال!.. بيد أن سماحها لنا بالرجوع ورؤية الماضي يذكرنا جيدًا بأهمية تقدير الحاضر؛ حيث ترينا أنه شيءٌ غبي رغبتنا في جعل كل شيء مثالي، وأيضًا تثبت لنا أن خوفنا وقلقنا من المستقبل غير معقول. نحن هنا في المستقل. ماذا حدث؟ بل والأهم أنها تجعلنا ندرك استطاعتنا على التكيُّف مهما ذهبت بنا الحياة.

وبالإضافة إلى أنها تمكِّننا من تقبل التغيير والخسارة، ومواجهة الأحداث وتقدير الوضع الراهن، أظهرت الدراسات أهميتها في أشياء كالإعلانات مثلًا؛ حيث وُجد أنها تجعلك على استعداد أن تدفع أكثر لنفس المنتج، وإعلانات رمضان هذا العام مثلًا أو غيره ليست بالبعيدة. البعض يرجعون ذلك لأنها تجعلك أكثر ارتباطًا مع الناس، والآخرون يقولون ببساطة أن الحنين يقلل من قيمة الأموال.

ولكن على أي حال علينا الاهتمام بالأمر أكثر؛ كما ترى أنه مهم جدًا، وبدلًا من مقارنة الماضي بالحاضر وقولنا كلمات مثل “ياه.. كانت أيام“ أو شيء من هذا القبيل.. سَل نفسك، كيف أن هذه الخبرات جعلتك أنت؟ وكيف أصبحت حياتك ثمينة هكذا لدرجة أنك تستغلها في القراءة لي؟

اقرأ أيضًا: الذكريات السيئة صندوق معتم بلا نوافذ تصاحبنا لزمنٍ طويل

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد ياسر عامر

طالب بكلية طب عين شمس، أهتم بالفنون والآداب، كما أؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد نحو التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق