مدونات

لنشق في أنهر الحياة مسارًا.. سبيل المواطن العربي في ظل غياب حكوماته

تلك الرقعة الجغرافية التي يقطنها مجموعة من الناس لها حدود بيانية وفيها مسارات تُديرها الحكومة الرشيدة تُسخر كل ما تملك من إمكانات خدمةً لأولئك الناس، هذه ببساطة تعريف الدولةِ بمفهومها العام. لكن ثمة تفاصيل في الكثير من الجزئيات نستعرضها في السطور القادمة. فالدولةُ تركيب مركب تتكون من مادة وروح فالبنى التحتية والمؤسسات العاملة في منظومتها هي الجزء المادي لتركيبها.

وأما روحها فتتمثل بالسلطة التي تنشئ وتدير ذلك الجسم المادي وتُسيسُ شؤون مواطنيها يتبعها القيم والأخلاق السائدة بين المواطنين. ويتأثر العقل الجمعي بفلسفة السلطة الحاكمة والمنظومة القيمية السائدة أشد تأثير.

لهذا تحرص الحكومة الرشيدة التي تسعى أن تبني أوطاناً كبيرة وتصنع أمجاداً عظيمة إلى صناعة مواطنين يعرفون ذواتهم ويشخصون حاجتهم على ضوء ما يمليه عليهم متطلبات واقعهم وهم في ذلك لا يخشون من مواطنين كبار يفكرون بصوت عال ويبدعون في مجالات الحياة.

لكن للأسف هناك في المقابل بعض الحكومات والأحزاب وحتى الأسر التي لازالت تفكر بعقلية تقزيم الآخر والتفكير بدلًا عن الآخرين كونهم يرون أنفسهم الأجدر بالتفكير والأنفع بالتدبير ويستصغرون كل من دونهم. تكاد تكون منبوذاً أحيانًا عندما تخالف أفراد أسرتك في توجه معين نحو قضية جزئية ويأتي ربما نبذك فقط لأنك خالفت رأيهم وهو حقك الطبيعي في الاختلاف لا بل ذاك هو الواجب كون إذا فكر جميع الأفراد بنفس الطريقة توقفت عجلة الحياة وزال رونق الأيام وذهبت بهجته.

وكذا هي الفكرة تتكرر في بعض الأحزاب والمؤسسات العاملة التي ترفع شعار الرأي والرأي الآخر في الظاهر وتقصي وتلفظ كل من يخالفها في الرأي. لا بل تصل أحيانًا إلى كيل التهم للمخالفين بدعوى أنهم شقوا الصف وزرعوا الفتن بين الأتباع، وحين ذاك يصبح تخوينهم وتجريحهم وإقصائهم أمراً عادياً.

وإن من أشد أنواع الخطر أن تغيب سياسة الحكومة الرشيدة في كافة شؤوننا، وذلك عندما تسود هذه العقلية في المؤسسات التربوية وخاصة في المراحل الإبتدائية فيتم حشوا الطالب بالمعلومات ولا يسمح له بإبداء رأيه والاختلاف مع الكادر التدريسي؛ وحينذاك نصنع جيلًا من الأتباع لا يتقن من الإبداع شيء.

يعد ذلك نسخة مكررة لعقلية المؤسسة التربوية التي نتخرج منها، لذا أصبح من الواجب على الحكومة الرشيدة والأحزاب والمؤسسات وحتى المربين إعادة صياغة الصورة الذهنية الذاتية، وكلٌ حسب مسؤوليته واختصاصه. إذا كنا حريصين على صناعة جيل يتحمل مسؤولياته ويشق له في أنهر الحياة مسارًا ينافس فيه الآخرين ويدخل الحاضر من أوسع أبوابه ليحجز له موقعاً في المستقبل.

ويجب أن نصرخ جميعاً بملء أفواهنا، “يا حكومات المنطقة لا يمكنكم أن تبنوا أوطاناً كبيرة يشار لها بالبنان وأنتم تسحقون مواطنيكم، ولا تسمحوا لهم بأن يفكروا بعقولهم التي وهبها الله لهم، ولا تخشوا من مواطنيكم فأنتم بهم وهم بكم. يا أيها الآباء افسحوا لفلذات أكبادكم لينطلقوا في مناحي الحياة المختلفة بالضوابط العلمية بعيدًا عن الأعراف والعادات المقيدة”.

نعم، نحن لا ننكر أننا لم ندخل العالم الحديث ولم نقدم الكثير للعالم لكن هذا لا يعني أننا سنبقى هكذا أبد الآبدين، وأن الفرصة اليوم مواتية لأي شعب يريد أن يواكب الركب، ونحن لسنا بدعًا من الأمم إلا أنها الإرادة والعزيمة لا غير، وهذه بدأت تتبلور عند الكثير من الشعوب والفيصل ربما حفنة من المستبدين سرعان ما تتخلص منهم الشعوب في أقرب فرصة؛ كونهم انكشفوا للجميع بتقديمهم مصالحهم الشخصية على مصالح شعوبهم ، وإن إرادة الشعوب هي أقوى من أي إرادة أخرى.

اقرأ أيضًا: الفلك دوّار والحوادث لا تكف عن الغليان.. تونس نموذجًا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

علي عدنان

اعلامي وكاتب مهتم بمجالات التنمية البشرية وتطوير الذات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق