مدونات

لم أجد نفسي في رواياته

كمٌّ هائلٌ من الروايات ظننت أنني عنوان إحداهن، أو ربما سأكون محتواها الشَيِّق، و كل المشترين ما كان شرائهم لرواياته إلا فضولا لمعرفة سيرتي الذاتية، ويقرؤون كلمات تصفني ستُعرفهم بي عن قرب، و اعتقدت أن كل رواية منهن أنا بطلة حكايتها.

فتلك الروايات، هناك من الناس من اشتراها ليؤنس وقته ومنهم من اشتراها ليتعلم و يضمد روحه، ومنهم أيضا من أخذها لينتقد و يستنكر الإبداع الحديث، ومنهم من أرادها هدية لعزيز عليه فقط، و هناك من اشتراها لزيادة ربحها وشهرتها. أما أنا اشتريتها لأبحث عني في عرمة ذالك الإبداع. بحث عني كثيرا حتى حفت عيني بالبحث فلم أجدني !

‏فهذه رواية تتحدث عن صاحب مشتل مُزهر زَعمتُ أنني زهرة من إحدى زهراته، دققت النظر فلم أجدني لا زهرة ولا حتي غصنٌ ذابل !

وهذه رواية أخري تتحدث عن زفاف، كان العريس يضم العروس، و يعطيها ثمر بكل حب ويُشربها الحليب ويبتسم لها بابتسامات مبتهجة، وتطأطأ هي رأسها من شدة الخجل، تغمرها سعادة تضيء وجهها بعد شحوبه طويلا ثم تهدأ و تَطمئِن من بعدها كأن لا أمان في الدنيا سوى ملاذه، فكان العريس هو لكن هي ليست أنا.

و أخرى تتحدث عن مذياع الشعب الوحيد في الدرب الذي ينقل أحوال العالم، فرحت و قلت في خيالي :
_ها أنا موجودة أخيرا فلا محالة سأكون أنا صوت المذياع الذي لا ينقل إلا الأخبار السارة، لكن بعد تعمقي لم أجد أن الأخبار كان فيها ما يروي ظمأى، فكلها تتكلم عن الشعب المهان والمذل، ولم أجد أن الصوت كان نبرة صوتي فحتى هنا لم أكن أمثل أي شيئ، تمنيت لو كنت فقط اللاقط الهوائي ولسوء حظي لم يكن حسي مذكور حتى هنا.

فجميع رواياته هكذا، أنا لم أكن حتى جملة بديلة أو هامش في آخر الصفحة لم أكن حتى حركة فوق حرف، ولا كلمة خارج الكتاب، نعم خارجه وبالضبط في الغلاف ليس في الواجهة إنما جنب الطبعة أو تحتها قليلا، هذا على الأكثر. جمعت كل أنظاري و أفكاري المتشتتة بعد خيبثة قاسية وهممت بالخروج من كتبه و إغلاقها للأبد.

لكن قبل خروجي وجدت رواية بها كلمات متشعبة على أكثر من معنى محشورة في سياق لا يعنيها في كتابه الغير متداول، ولا أحد يفكر في شرائه ما عداي وحدي من اشتريته للهفي بأن تمت هناك شيء بسيط مني سيجعله يذكرني ومازال عندي أمل بأنني سأكون في مكان ما في إحدى رواياته. تلك الكلمات كانت تتكلم عن عجوز وحيده و منسية موجودة في مكان ما لكنها لا تُرى للعالم، و في الصفحة الأخرى رسم بالحبر الأسود يصف تلك الكلمات المكتوبة،

فإن الرسم فيه عجوز شعرها أبيض فوضوي مجعد يشبه حصيدة التبن من بعد موسم الحصاد، وتجاعيد في الوجه كأنها مجرى للمياه الغزيرة، و ظهرها متقوس يضاهي معبر المارة في الحرب، تتكئ على رجلٍ مسن ويتعكز هو عليها. ها أنا وجدتني آخيرا فربما هذا الرسم يحاول وصفي أو ربما وحده من وصفني بالتدقيق وتلك الكلمات فيها ما يشبهني إلى حد ما،

‏ربما هي بالفعل تتحدث عني لا بل إنها أنا لكن في العقد الثلاثين أو الأربعين من العمر، في هذه الكلمات فقط كنت أنا هي تلك العجوز لكن مع الأسف لم يكن ذالك المسن هو !!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سناء رضواني

أرسم ذكريات متناثرة وعالم آخر بين أحضان الثمانية وعشرون حرفا لنقل كاتبة ملهمة ومدونة حرة مستقلة على أزيد من أربع منصات إلكترونية، مهتمة بإفادة الغير والإستفادة منه، مرحبا بالجميع🍁

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى