مدونات

لماذا يتوارى البعض خجلًا من الإفصاح عن قوميته؟ (1)

أول ما قد يتبادر إلى أذهاننا جميعًا تساؤل لابد من الإجابة عنه، إذا أردنا المضي في بحثنا حول التربية القومية من منظور شبابي، أن نكون مطمئنين غير مشككين. وأعني بهذا التساؤل خطرًا قائمًا؛ هل نحن في حاجة إلى تربية قومية؟

وهل نحن في حاجة إلى جهد خاص، لتكوين شخصية ذلك المواطن العربي ذي الاتجاه القومي؟ أوليست الفكرة القومية هي الواقع الحي في النفوس، القائم على كل لسان، المغذي لكل عرق وعصب؟ هل نحن في حاجة إلى أن نقدم للمواطن العربي المؤمن بقوميته وعروبته فضلًا عن إيمان ومزيدًا من توجيه؟ أو هل نحن في حاجة إلى أن نصطنع النظريات والمذاهب بعد هذا الشعور الحي الذي يربط المواطنين بأمتهم وعروبتهم؟

اقرأ أيضًا: لماذا فشل العرب في تكوين الدولة القومية ونجح الآخرون؟

والحق، أن في هذا الاعتراض جانبًا من الصدق، فالقومية العربية فكرة حية قائمة في النفوس عامرة في القلوب، وإيمان الشعب بها أكبر دليل على قوتها وصحتها وبداهتها في النفوس، خير شاهد على يقينها، إذا أردنا أن نتبنى في الحكم على حقائق الأفكار منهج البداهة الديكارتية.

ومن حقنا أن نقرر تجاه فكرة التربية القومية أنها شيء قائم حي، وأنها ليست شيئًا يُصطنع اصطناعاً أو يُخلق خلقًا، ومن البدهي أننا حين نتحدث عن القومية العربية فنحن لا نتحدث عن فكرة مصطنعة نريد أن نفرضها على الواقع ولا نبني أسطورة كالتي أراد أن يبنيها فيلسوف النازية روزنبرغ، نخلق عن طريقها الإيمان بنظرية مجلوبة مصنوعة، ونلتمس أساليب الدعوة لمبدأ نصوغه في بنات أفكارنا.

فمثل هذا الأسلوب في فهم القومية لم يكن في يوم من الأيام أسلوب أي قومية من القوميات، إذا اسثنينا بعض القوميات الزائفة التي لا تسند إلى أساس واقعي، والتي أرادت أن تكون الأسباب سياسية خاصة.

ومثل هذا الأسلوب ليس أسلوب الفكرة القومية العربية، ذلك إن الفكرة القومية ليست بناءً أيديولوجيًا نقوم به، على حد تعبير الباحث القومي الفرنسي بورجيه Bourget ،وإنما هي تصوير لواقع الأمة، هي ملاحظات موضوعية علمية نستخلصها من واقع الأمة.

إنها كما يقول “بورجيه” أيضًا تطبيق للطريقة العلمية على الحياة الخلقية والاجتماعية والحقيقة التي ينبغي أن نذكرها دومًا. إن الأمة شيء موجود قبل القومية، ولا يجوز العكس في حال من الأحوال، فالأمة حقيقة موجودة، حقيقة تاريخية وثقافية وبشرية.

وكل منا في نهاية الأمر كما يقول موراس Maureas أجدادنا ومعلمونا وإخواننا الذين يعظمون كتبنا، لوحاتنا، تماثيلنا، ورحلاتنا، والفرد منا مثقل بإرث ليس من صنعه، تلك حقائق ينبغي التذكير بها ولا مجال إلى نكرانها وهي تنتصر لهذا التساؤل الذي أثرناه حين تساءلنا عن مبلغ الحاجة إلى التربية القومية في مجتمعاتنا.

على أن هذه الحقائق لا تستغرق الموضوع كله، وتدع جانبًا أساسيًا منه. فلإن كان من الصحيح أن الفكرة القومية عامة، والفكرة القومية العربية بوجه خاص فكرة قائمة حية لا نصطنعها ولا نبنيها، وإنما نستخرجها من واقع قائم ومن حقائق مشاهدة، فمن الصحيح أيضًا أنه من الواجب أن نستخلص من هذا الواقع ومن تلك الحقائق المقومات التي تغذي هذا الشعور وتمده دومًا بالوقود، ومثل هذه الحاجة إلى بيان مقومات فكرة التربية القومية العربية، وتلك الحاجة قائمة لسببين كبيرين:

السبب الأول: أن النظرية القومية كما نفهما وكما ينبغي أن تكون، هي الجمع بين الشعور العاطفي والدراسة الواقعية لمقومات هذا الشعور وجوهر الفكرة القومية أن نوفق كما أراد بورجيه وكما فعل باريس Barrés بين الهوى العاطفي وبين التحليل العقلي، بين الانفعال والديالكتيك كما يقال.

وإذا أردنا تعبيرًا أبسط، قلنا إن النظرية القومية التي لا نريدها نظرية مصطنعة أو مختلفة، هي بالضرورة والتعريف تلك المحاولة لربط الشعور الحي القائم بأصوله الواقعية، بالمشاهدات العلمية التي تغذيه، ولا يكفي أن نقول عن الشيء إنه موجود وكفى، وإن حسبه أن يوجد، فلكل وجود مقومات يقوي بها ويشتد ساعده، كلما استبانت له على نحو أوضح؛ كلما وعاها وعيًا أعمق.

المبرر الثاني، أن فكلنا يدرك أن التربية القومية العربية على إشراقها كفرة في النفوس واضطرمها في الدماء، عانت وتعاني الكثير من التشويه والاضطراب، وما تزال تغزوها أفكار معادية تحاول أن تشوهها وتفسد حقيقتها وتبطل أغراضها.

وبهذا المعنى يصبح الحديث عن النظرية القومية أمرًا لازمًا، لا لوضع أسس نظرية غير قائمة في الواقع، ولكن لتجريد الواقع من نظريات مجلوبة دخيلة حاولت أن تفسد محياه وتجهم وجهه. ولا يتسع المجال للحديث عن العوامل الكثيرة التي حاولت أن تفسد على الشعور القومي أصالته وطهره.

أما دسائس المستعمرين والدخلاء وعلى فداحتها ، فليست أهم هذه العوامل التي جربت تشويه فكرة التربية القومية وتجهيم الشعور القومي، وحسبنا أن نذكر بين هذه الدسائس ما جهد فيه المستعمر من تشويه لتاريخنا ومن التشكيك في مقومات عروبتنا، حسبنا أن نعيد إلى الأذهان تلك المحاولات المغرضة المجانبة لروح العلم الذي يدعيه، التي حاول فيها أن يطبق في نظرته إلى تاريخنا وقيمته معايير الذهب التي لم يطبقها على تاريخ أمته وعلى تاريخ أي أمة من الأمم التي يتألف معها.

وليس منا من يجهل كيف صوّر لنا تاريخنا وكيف انتقلت كثير من هذه الصور مع الأسف إلى ما بين أيدينا من كتب، وكادت تشيع في عقول فريق من “أبناء الضاد” أنفسهم.

يتبع في المقال الثاني…

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبدالمجيد الإدريسي

طالب جامعي بالمغرب/تطوان وعضو بالمجلس الجهوي لشباب والمنسق العام السابق لنموذج الأمم المتحدة تطوان والرئيس الجديد لفرع IODS بتطوان وعضو بالجمعية العامة لحقوق الإنسان وعضوPJM MAROC

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق