أسلوب حياة

لماذا نحتاج إلى الحرية؟

لعل من أكثر المفاهيم جذبا وأكثرها ضجيجا هو مفهوم الحرية والذي كلما فكرت فيه بالرغم من تلقائيته ارتبكت وأصابتني الحيرة.

جميعنا ومنذ بداية تعلم الكلام نطالب بالحرية، نرددها بوعي وبدون وعي، وأكثر ما أستطيع تأكيده هو أنها مطلب وحاجة لكل إنسان، لكن عن مضمونها فالأمر معقد وهو سؤال دائم يصفعني، هل نحن فعلا أحرار؟ وهل نملك فعلا مقومات الحرية؟

لنبدأ بفهم دلالة الحرية وعن ماذا تعبر

أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر الحرية هو الإرادة والاختيار، وبالتالي حين نطالب بالحرية فإننا نطالب بأن نتصرف وفقا لإرادتنا وبناءا على اختيارنا وليس وفق ارادة الآخرين أو اختيارهم، والمقصود بالاآخرين هنا ولاة الأمر ابتداءا من الوالدين وانتهاء بالحاكم.

السؤال الذي يطرح نفسه وبه يبدأ التعقيد، ما هو مصدر الإرادة والاختيار؟

بالتأكيد لا يمكننا الحديث عن إرادة مجردة بدون أي ارتباطات داخلية أو خارجية، فنحن لا نريد شيئا لمجرد الإرادة، بل هناك أسباب تدفعنا لاختيار ما نريده.

عندما نريد العمل فذلك لأننا بحاجة الى المال وتأمين حياة كريمة، وعندما نريد بشدة شيئا معينا ونرفض غيره فذلك لأن عاطفة قوية تدفعنا نحو هذا الشيء.

إذا ارادتنا ليست حرة بالمطلق والاختيار هو أيضا محكوم بدافع داخلي لا نملك،ه بل بمعنى ما نحن مجبورون عليه بدون قدرة على المقاومة غالبا.

لذلك عمد بعض الفلاسفة إلى اعتبار الحرية هي القدرة على التخلي عن رغباتنا ونبذ عواطفنا، أي التصرف ضد أنفسنا بهدف تحقيق الإرادة المجردة والمتحررة من كل الروابط، وربما يحقق هذا التخلي الغاي،ة ولكنه يقف ضد مكوننا الإنساني، وضد رغباتنا وعواطفنا التي هي كينونتنا، ماذا إذا؟ نهرب من التأثيرات الخارجية كالمجتمع بقيمه وقيوده والأشخاص المتحكمين بنا في كل نطاق/ نهرب من الخوف الذي يكبل رغبتنا ويقمع كل نوازعنا وعواطفنا لنجد أنفسنا محكومين بقدر داخلي قد يدفعنا بشدته إلى هلاكنا، أيضا حيث تجدنا كثيرا ضعفاء أمام الرغبة والعاطفة ولا نستطيع مقاومتها فننجرف لها وننحكم بها.

تعقيد ثاني

تتشكل شخصياتنا في الأغلب الأعم في مرحلة الطفولة والتي نتبنى بها بدون وعي قيم محيطنا الخارجي ونتشرب مبادئ المحيطين الأقرب لنا، فنكون بالتالي نسخة شخصية عن مجتمعنا وبيئتنا تتميز بنكهتها الخاصة لكنها ليست بالضرورة مختلفة، فمن نحن إذا كي نطالب بالتحرر؟ ومن ماذا نريد التحرر؟

تعقيد ثالث

قد يعارض ما هو خارج ما هو داخلي فينا، ولكن أحيانا كثيرة نحمل في الداخل نوازع متضادة لا نعرف لأيها نميل، وأي هذه النوازع يعبر فعلا عن رغبتنا وعن كياننا.

وفي علاقة الداخل بالخارج نميل أحيانا لما هو خارجي ونقمع بيدنا نوازعنا الداخلية لأننا بمعارضة ما هو خارجي سنفقد حتما شيئا يعنينا كخسارة المال أو الرعاية أو محبة الآخرين التي نحتاجها بشدة كي نثبت ذاتنا ونشعر بالوجود والأهمية.

إذا نحن محكومون بالضرورة الداخلية والخارجية 

بعد هذا، أين تقع حريتنا؟ وما دمنا محكومين بالضرورة واختيارنا هو مجرد مسألة صورية، فلماذا نطالب بالحرية ونفضل الموت على الحياة بدون حرية؟ ولماذا يتم تحميلنا مسؤولية عن أفعالنا ما دمنا لا نملك من أمرنا شيئا.

لا بد من إجابة عن هذه الأسئلة طالما أن الموضوع مطروح بكل قوة، وطالما أن الإنسان يقاتل ويموت لأجل الحرية.

في البداية لنقل شيئا عن المذهب القدري والمذهب الجبري الذي تبلور مع بداية أو تأسيس الدولة الإسلامية وبالتحديد في ظل الحكم الأموي، كان مذهب الجبر هو مذهب الدولة ومضومنة يتلخص بأن الإنسان مجبر على أفعاله وليس مخيرا.

تستدعي هذه الفكرة عدم جواز محاسبة الإنسان على أفعاله طالما أنه مجبر عليها، و عارض هذا الاتجاه الذي يبرر بالدرجة الأولى للحاكم أفعاله، مذهب القدرية الذي يقر بمسؤولية الانسان عن أفعاله واختياره،  فكيف سيحاسبه الله بالجنة أو النار على أفعال كان مجبرا على فعلها وليس مخيرا.

عليه من وجهة نظرهم الإنسان مخير وليس بمجبر، إذا نحن أمام معضلة فلسفية واجتماعية ترتبط فيها الحرية بالضرورة البيولوجية والاجتماعية وتتعلق بمسؤلية الإنسان عن أفعاله.

إن وقفنا مع الضرورة والجبر فإننا واقعون في مأزق وهو تبرير الاستبداد وتبرير الجرائم وكل أشكال الفساد، وإن أقررنا بالإرادة والاختيار فكيف نواجه كل التساؤلات التي طرحناها أعلاه حول مضمون الحرية وانقيادنا بوعي أو دون وعي لدوافع داخلية وخارجية لانملكها.

تسوية المسألة

لنحدد في البداية نمطين للوجود وللعلاقة، الداخل والخارج، الذات أو الأنا بكل تناقضاتها وتنوعها تمثل الداخل والآخر بتشكلاته المتعددة – الأفراد، المجتمع والدولة يمثل الخارج، وبناءا على هذا التقسيم حتما سيكون مكان الحرية هو الداخل ممثلا بالأنا أو الذات.

تعترض هذا التحديد الفرضية التي قلنا بها في البداية وهي أن الفرد نسخة عن المجتمع والمحيط، وهذه الفرضية صحيحة جزئيا حيث أن الفرد رغم امتصاصه للوجود الخارجي في مرحلة تشكله الأولى، إلا أنه بقي وفيا لنفسه ولم يكن نقلا أوتوماتيكيا للخارج القريب له بل نتاج تفاعل بين داخله البيولوجي وتركيبته الكيميائية والخارج المتنوع أي المتعدد التأثيرات، وهنا تكمن خصوصية كل فرد بالإضافة الى أنه في كل مرحلة من حياته يصارع الجديد القديم ويعاد تشكيل الهوية الذاتية وفق قواعد جديدة، إذا الفرد يختلف عن محيطه الخارجي، وهنا تبرز المحطة الأولى للحرية ( الداخل مقابل الخارج).

تحكم الفرد عدة نوازع ورغبات ومن جهة أخرى يحس بنفسه مجبرا على الإذعان للخارج المتمثل بالقيم المجتمعية وحقوق الآخرين والدولة والمصلحة العامة، لأن هذا الخارج يمثل تلبيه لحاجة داخلية لديه، وهو أن وجوده لا يمكن تصوره بدون مجتمع بالإضافة الى أن المجتمع يجلب له السعادة ويحقق له الرغبه بإثبات وتطوير الذات، فالخارج هنا منشبك مع الداخل ويلبي رغبات الذات.

ومن جهة أخرى يشكل أداة ردع هدفها الحفاظ على المجتمع المكون من أفراد متحدين.

بين النوازع والرغبات المتضادة في الداخل وبين التعارض بين الداخل والخارج تبرز المحطة الثانة للحرية، وهي أن يختار الإنسان الفرد بين نوازعه الداخلية ما يحقق ذاته أكثر وبين الداخل والخارج يختار ما يحفظ التوازن بين ذاته والمجتمع وبين ذاته والدولة…إلخ.

في هذه المحطة تظهر مسؤولية الفرد عن أفعاله ويحاسب على اختياراته، في اللحظة التي يتجاوز بحريته ذاته ويضر بالتوازن الدقيق بين الداخل والخارج ويتعدى على حقوق وحريات الآخرين يواجه مسؤلية اختياراته، وفي المقابل في اللحظة التي يقمع الخارج بكافة صوره وأشكاله الفرد عن ممارسة ذاته بشكل متوازن ومعقول، فإننا نكون بصدد خانة يقمع فيها الخارج الذات وتصبح المطالبة بالحرية مشروعة واستعداد الفرد للموت من أجل حريته أمرا مفهوما، لأن حريته هنا تعني وجوده وفقدانها يعني فقدان وجوده.

الارتقاء من الفرد إلى المجتمع

إن المجتمع يلبي حاجات الفرد ويحقق رغباته، وأن الفرد تتحقق قيمته ويتجلى وجوده في المجتمع، وهنا يصبح الخارج داخلا ويصبح المجتمع أو الآخر الخارحي امتدادا للذات الفردية وتجليا لها، ويتبلور ما يعرف بالذات الاجتماعية، ويمكن الحديث في ظل هذه العلاقة العضوية عن مستوى آخر من الحرية وهو حرية المجتمع عندما يواجه استبداد الحاكم أو الدولة، وتندمج في هذه الحالة حرية الفرد مع حرية المحتمع ويصبح الفرد والمجتمع يمثلان الداخل في مواجة الخارج المستبد والقامع للحرية ويغدو الفرد بدفاعه عن حرية المجتمع مدافعا عن حريته وبالعكس.

وفي هذا يقول المفكر الفرنسي جان جاك روسو كلمات قد تختصر الكثير من الكلام عن الحرية:

“حرية الفرد لا تكمن في أنه يستطيع أن يفعل ما يريد، بل في أنه لا يجب عليه أن يفعل ما لا يريد”.

 

أشرف قراعين

فلسطيني من مدينة القدس. أتممت دراسة المرحلة الأساسية في السعودية . حصلت على لقب اول في القانون من جامعة اليرموك في الأردن. عملي الحالي محامي. باحث في قضايا الديمقراطية وفي المجتمع العربي
زر الذهاب إلى الأعلى