مدونات

لماذا لا يحضر الفنانون جنازات بعضهم البعض؟

وسط غياب الفنانين

كم مرة قرأت هذه العبارة مسبوقة أو ملحوقة بخبر عن جنازة فنان ما مات في السنوات القليلة الماضية؟ ربما في كل الأخبار، أو في معظمها. حسناً، لماذا تحرص الجرائد والمواقع على هذه الصيغة دائما؟ هل حضور فنان ما، أو غيابه، لجنازة فنان آخر خبرٌ مهم في حد ذاته؟ هل ذلك يعني أن جنازة الفنان الميّت ينقصها شيء؟ هل ستُعتبر جنازة “ناقصة حتة”!؟، هل تجاهل حضور الجنازات دليل على انعدام قيمة ” الوفاء” في المجتمع الفني أو “قلة أصل” من الفنانين!؟

في هذا الموضوع تحضرني واقعة جنازة أم كلثوم، وموقف محمد عبدالوهاب منها. الحكاية كما رواها الكاتب الصحفي الراحل، محمود عوض في كتابه “من وجع القلب”، أن عبد الوهاب اتصل به لترتيب أمر حضورهما الجنازة معا، لكن محمود عوض رفض الحضور بحجة أن الزحام يصيبه بضيق في التنفس، لذلك فهو سيكتفي بمتابعتها في التليفزيون، ووافقه عبد الوهاب وقرر هو الآخر عدم الذهاب، لكن محمود عوض اعترض، فحضوره هو من عدمه لن يلحظه أحد، رغم الصداقة المعروفة بينه وبين أم كلثوم، لكن غياب الموسيقار محمد عبد الوهاب عن جنازة كوكب الشرق سوف يثير تساؤلات كبيرة ليس في مصر وحدها، بل في العالم العربي كله، وكما قال له محمود عوض، فإن الخبر الرئيسي في معظم الجرائد العربية “في الغد” سيكون خبراً متكرراً بأن محمد عبدالوهاب -شريك أم كلثوم الفني ورفيق دربها- لم يحضر الجنازة، وهو ما قد يُحدث صدمة للجمهور فيه، واقتنع عبدالوهاب وبالفعل ذهب، صحيح أنه لم يستطع الذهاب للمسجد أو حتى يستكمل الجنازة لآخرها، إلاّ أن هدف محمود عوض تحقق، وشاهد الناس، أو بعضهم على الأقل، عبدالوهاب حاضر في جنازة أم كلثوم، ومع أنه لم يكن -كما قال- في حاجة لاظهار مدى حزنه وفجيعته في رحيلها لأحد، إلاّ أنه بدا -كما يقول عوض- مستريحاً نفسياً بما حدث في الجنازة وفي العزاء الذي حضره في المساء.

بطبيعة الحال فإن المقارنة قد لا تكون صحيحة في العموم، فلا كل الراحلين أم كلثوم، ولا كل الذين يجب حضورهم محمد عبدالوهاب، مع احترامنا للجميع، أموات وأحياء، لكن ألم تخطر فكرة محمود عوض، كما شرحها لعبدالوهاب، على بال أحد من هؤلاء الفنانين الذين يتجاهلون، كلٌ لأسبابه، جنازات كثيرة لزملاء لهم، وأحيانا شركاء، في المجال الفني، أو يتعاملوا مع الأمر بمنطق أكثر إنسانية؟

عندما نتذكر جنازات الفنانين الراحلين في الخمس سنوات الماضية، نجد أن الجنازة الوحيدة التي شهدت حضوراً للفنانين كانت من نصيب الفنان سامي العدل (يوليو 2015)، وقتها علّق “أحدهم” بذكاء أن هؤلاء الفنانين لم يذهبوا لوداع سامي، رغم صداقته بكثيرين منهم، بل كانت “مجاملة” لشقيقه “المنتج” محمد، أي أنهم لم يذهبوا لوداع زميل لآخرته، ولكن ذهبوا من أجل دنياهم!

من الصعب تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، ففي كل الأحوال فإن “مجتمع الفن” مثله مثل أيّ مجتمع آخر، له ما له وعليه ما عليه من حسنات وسيئات، لكن هل من الممكن أن يتحلى الفنانون، أو مديرو أعمالهم، أو من يتخذنوهم مستشارين إعلاميين، ببعض من الحكمة والكياسة، كما أدركها محمود عوض، وفهمِها محمد عبد الوهاب في السبعينات، ولا تزال مستمرة معنا حتى الآن، بل وزادت أهميتها مع التطور الهائل في وسائل نقل المعلومات ونشرها؟ أو من ناحيةٍ أخرى تكفُ المواقع الإخبارية عن الإشارة لغياب الفنانين لجنازات الراحلين، وأن تتعامل معهم باعتبارهم “بشرا” أدوا دورهم في الحياة ورحلوا كما يرحل الناس العاديين، ولا يهمهم، وهم بين أيدي خالقَهم، السؤال عمّن حضر أو لم يحضر رحلتهم الأخيرة في الدنيا؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى