أسلوب حياة

لماذا لا يثورون رغم البؤس؟

قال أحد الحكماء ذات يوم “إذا فُرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد إنسانيته شيئاً فشيئاً”، وهو ما أثبته علم النفس الحديث.

في عام  1872 حاول عالم النفس Heinzmann  أن يختبر لماذا يحاول البعض منا التأقلم مع الظروف رغم بشاعتها وسوءها؟

قام بتحديث  التجربة الشهيرة (Friedrich Goltz ) عن طريق وضع مجموعة من الضفادع في إناء مملوء بالماء درجة حرراته 17,5 درجة مئوية مع الرفع التدريجي والبطيئ لدرجة الحرارة حتى تصل لمرحلة الغليان، الغريب في الأمر أن الضفادع لم تحاول القفز من الإناء عندما شعرت بتغير درجة الحرارة، بل على العكس حاولت أن تتأقلم مع التغير البطئ الذي يحدث، ربما فكرت في تلك اللحظة كما يفكر بنو البشر بأنها غمة قريباً ستنقشع فلماذا أجازف وأتمرد؟

ربما فكرت كما نفكر، بأنه خارج الإناء قد يكون العالم موحشاً، بائساً، مخيفاً لدرجة لا تُحتمل؟ وربما فكرت أنها أفضل من الضفادع الأخرى التي عندما تمردت فقدت إناءها وتشردت في أواني الغير، ولم تجد سوى شظف العيش وبؤس المعيشة ؟ ويمكن أن تكون قد فكرت أن الإناء يعني الوطن (ونسيت أن هناك من يتحكم في الإناء وأن الإناء بريء مما يحدث فيه)، ويجب على كل أن نتحمله كما هو  في غمته ولا نسعى لتغييره؟

أياً تكن ما فكرت فيه الضفدع في ذلك الوقت فقد قضي عليها سريعاً، فكلما جاهدت لتأقلم نفسها مع الوضع الجديد أُنهكت أكثر إلى أن وصلت درجة حرارة الماء لدرجة لم تعد تحتملها الضفدع، وفي ذات الوقت كان جهدها يتقلص مع كل محاولة للتأقلم حتى وصلت في نهاية المطاف لدرجة من الإنهاك لا تستطيع معها القفز من الإناء فماتت بسلام، رغم أن خيار القفز كان مطروح دائماً!

يستخدم الناس نظرية الضفدع في التأقلم من التغيرات الغير ملائمة  التى تحدث لهم باستمرار، تدني التعليم، تدني الخدمات الصحية، انتشار الفساد.. إلخ.

يحاولون التأقلم مع التغيير الحادث عسى أن يتحسن الوضع في المستقبل، ولكن ما لا يعرفه هؤلاء أنهم بذلك يفقدون تدريجياً مواطن قوتهم في ظروف لا تليق بهم، حتى ما إذا أصبح الوضع غير محتمل بالمرة، يجدون أنفسهم قد أُنهكوا وغُيبوا بحيث لم يعودوا يصلحون لأية مواجهة، ويدركون حينها أن أوان القفز من الإناء قد فات، وأن كل ما عليهم الآن هو الموت بسلام!

في التجربة الأولي التي أُجريت عام 1869 للعالم الألماني Friedrich Goltz تم وضع مجموعة من الضفادع في إناء درجة الماء به 20 درجة مئوية، ثم فجأة تغيرت حرارة الماء لتصل إلى 25 درجة مئوية، فما كان من جميع الضفادع إلا أن قفزت من الإناء على الفور باستثناء ضفدع واحد تم استئصال مخه قبل التجربة!

ما تنئنا به تجربة الضفدع قبل التعديل، أنه أدرك فداحة التغيير الحادث، ولذلك قرر فوراً القفز من الإناء، أدرك الفارق الهائل بين القبل والبعد، فعلم مقدار المصيبة وأدرك بشاعة الموقف.

ولذلك تعتبر من الأسالب الناجحة في تغيير المجتمعات وتعديل السلوكيات فى علم النفس، هو التغيير التدريجي حتى ندرك بعد مدة أننا نفقد تدريجياً شخصياتنا القديمة، لننتحول لشيء لم يعد يشبهنا ولم نعد نشبهه!

تلك الحيلة الذكية التي تسخدمها الأنظمة لترويض الشعوب، يسحبون الحقوق من الشعوب تدريجياً تحت مسمى (تقليص المزايا)، و (خفض الدعم) وكأنهم يدعمون الشعوب من جيوبهم الخاصة، ويستمر الشعب بالتأقلم مع الوضع الذي يسوء تدريجياً حتى يجد نفسه في النهاية خائر القوى لا هو قادر على التأقلم، ولا هو يستطيع المواجهة!

لكن لكن منصفين قبل كل شئ، فهل نحن كبشر نستخدم دائما وأبداً نظرية الضفدع في التعامل مع المتغيرات المحيطة بنا؟ أم  أن للأمر أبعاد أُخرى ومن الظلم التغاضي عنها؟

آليات ترويض الإنسان

في عام 1965 أجرى عالم النفس السيكولوجي Martin Selingman تجربة حول آليات الترويض فيما عرفت بعد ذلك ب(العجز المكتسب).

كانت التجربة التي أُجريت على كلابه المخبرية عبارة عن صعق مجموعة الكلاب المحبوسة داخل القفص، والمدربة سابقاً على الهروب من القفص حال فتحه وسماعها صوت الجرس.

في البداية كانت الكلاب في كل مرة تحاول الهروب فتصعق، فتحاشياً للألم لم تعد تحاول الهروب حتى لا يتم صعقها، ونسيت ما تعلمته من أن الحرية أثمن من أي شيء ودائماً لها ضريبة قد تكون غالية!

لم يكتف Martin بذلك بل قام بصعق الكلاب باستمرار حتى دون أدني محاولة منها للهروب، وكانت المفاجأة بعد ذلك عندما فتح القفص لهم وكف عن صعقهم، أن الكلاب لم تبذل أدنى محاولة للهرب، ولم تتحرك من مكانها ولم تبادر بأي فعل على الإطلاق!

أتى مارتن بمجموعة أخرى من الكلاب لم تُصعق من قبل ووضعها في القفص فترة من الزمن، وبمجرد فتحه القفص اتخذت تلك الكلاب الفعل الطبيعي وهربت مسرعة، شاهدتها المجموعة الأولى تهرب ولم تتعرض لعقاب ولكنها ظلت كما هى دون أي حراك!

تعتبر آلية العجز المكتسب من أقوى آليات ترويض الإنسان عن طريق الإمعان في تعذيبه وإكسابه اليأس والملل من أي محاولة للتغيير قد تُرقي من وضعه البائس وترتقي به نحو الأفضل.

في كل مرة يحاول فيها التغيير، فكل ما عليك هو أن تصب جام غضبك عليه، وتزيد من البلاءات التي تحاوطه ومع وجود آلة إعلامية ضخمة تخبره دائماً أنه هو الملوم الأوحد في كل ما يحدث له، ولولا تفكيره الأخرق لكان في أمن وأمان!

صدقني بعد عدة مرات سيحب القفص ككلاب مارتن، وحتى لو فتح له الباب بدون إيذاء، فلن يحاول الهرب بل سيمكث يشاهد الوضع من حوله دون أي حراك!

عند هذه اللحظة سيعيش الطغاة بسلام، فقد تمت عملية الترويض بنجاح!

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق