سياسة وتاريخ

لماذا فشل العرب في تكوين الدولة القومية ونجح الآخرون؟

يرتبط مفهوما الأمة والدولة بشكل وثيق، فكلاهما يكمل الآخر ويعتبر وجوده ضرورة لقيام الدولة الحديثة التي نشأت بالتوازي مع النهضة الأوروبية. فيما فشل العرب في تكوين الدولة القومية ولا هم استطاعوا تحقيق الدولة الحديثة إلا على ورق الدساتير.

الأمة وتحرر الفكر السياسي من الدين

الأمة مجموعة من الناس مرتبطين باللغة والأصل والدين والتاريخ والأرض، كما تجمع بينهم المصالح المشتركة، فالأمة شخصًا معنويًا حرًا يحوز على مكان وزمان معين، لا تشمل الأحياء فقط بل تشمل أيضًا الأموات. فالأمة تسمو على كل التصنيفات فهي تجمع ولا تفرق، وهي التي يفتخر بماضيها كل فرد يعيش فيها.

وقد عرف العديد من الفلاسفة الأمة على أنها تعني: مجموعة من المدن، أي أن الأمة متكونة من مجموعات من الناس تعيش في مدن، فالأمة تعبر عن تحرر الفكر السياسي من السلطة الدينية. فكلمة أمة هي خلاصة التحليل السياسي والاجتماعي وخروجه من سلطة المقدس، وبذلك أصبحت المدن والأقاليم والتاريخ واللغة تحدد معنى الأمة.

الدولة: كائن حي له طبيعته الخاصة

تتكون الدولة القومية من إدارة لها مؤسسات تنفيذية وقضائية وتشرعية، وتعمل على حماية الأمة من كل خطر خارجي، ومن سيطرة أصحاب المصالح الضيقة لدى قوى في المجتمع تسعى إلى السيطرة والتحكم في الأمة، وتعمل على استنزاف خيراتها.
فالدولة هي السلطة وجهازها الحاكم، الذي كلفته الأمة وأعطته المشروعية ليحقيق العدل والمساواة والأمن والاستقرار لكافة أبناء الشعب.
إن مفهوم الدولة يعود الى علاقة الفرد بالطبيعة إذ أن الفرد خلق ليعيش ووجد نفسه في مواجهة مع الطبيعة، وبسبب سعيه لتسخير الطبيعة لمصالحه، جعله يفكر في حماية نفسه بالتجمع. وكانت بذلك حكمة الإنسان في تكوين الدولة.
ويعرف مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، الدولة بأنها: “كائن حي له طبيعته الخاصة، ويحكمها قانون السببية، ولا يمكن أن تقوم الحضارة إلا بها”.
وحسب عالمنا الجليل ابن خلدون، فإن الدولة جهاز قابل لتبدل والتغير. يقول في مقدمته: “إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال”.

الأمة والدولة حينما تنقلب إحداهما على الأخرى

“سبب البؤس الإنساني، هو التناقض بين الإنسان والمواطن، فإما أن نعطيه كله إلى الدولة أو ندعه كله لذاته”. المفكر جان جاك روسو

لا شك في أنه لا توجد دولة بلا أمة، فالأمة هي الأصل والدولة هي نتاج الأمة، وأي دولة لا تنبع من اختيار الأمة هي دولة محتلة من دول استعمارية وتبقى دولة غريبة عن الأمة.
الأصل في الأمر أن الأمة هي صاحبة المصلحة في تكوين الدولة ودستورها ومن يسيرها، وهي من تشرع وتحاسب من يخرج ويخالف إرادتها ويعمل ضد مصلحتها.
وقد تتحول الدولة وتتغير وتحيد عن مصالح الأمة، وتصبح تحت سيطرة قوى اجتماعية حزبية أو طائفية أو قبلية أو عصابة تحكم باسمهم.
وقد تصبح الدولة مستغلة من القادة المنتخبين شرعيًا، حيث يعمدون إلى سرقة الدولة عبر الرشاوي وسوء تسيير الدولة واستغلال السلطة لصالحهم.
وتتكون لوبيات ومراكز قوى تابعة لزعماء نافذين في مؤسسات الدولة ومحيطها وتبدأ بممارسة نشاطات اقتصادية غير مشروعة تضر بمصالح الأمة، وتسن مشاريع وقوانين تعمل عل خدمة هذه العصابات وتغطي على مشاريعهم الوهمية.
وهكذا تتوسع الهوة بين الشعب والدولة وتضيع مصالح الأمة ويواصل من يحكم الادعاء بأنه يخدم الأمة، عندما يخاف الحاكم عن مصالحه ويسعى إلى حمايتها ويكون أجهزة قمعية تمارس العنف على الشعب، وتبني الدولة حاجزًا مادي ومعنوي، وتبث الخوف في الأمة، وتستعمل القوة ضد الشعب بعلة الحفاظ على النظام والدولة.

العرب نموذجًا: وسائل الدولة في خنق الأمة

لكي تسيطر الدولة على الأمة تلجأ إلى الدعم الخارجي خوفًا من الشعب الذي سلمها الحكم، وتعتمد على وسائل الإعلام التي تمتلكها لتسويق سياستها الظالمة، وتعمد إلى شراء الذمم، وتزوير الانتخابات، وتعين في مفاصل الدولة مواليها وأصدقائها.

وتسخر الدولة رجال الدين ومؤسساتهم على دعمهم، معتبرةً كل من يخرج على السلطان يسبب فتنة والفتنة أشد من القتل.

وأخيرًا تصبح الدولة القومية تعمل ضد الأمة، تحكم وتخطط وتعمل كل ما تريد باسم الشعب التعيس، وإن عارض أو انتقد الدولة غضب عليه الحاكم وخرج عمن اختاره الله قبل الشعب للحكم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق