سياسة وتاريخ
أحدث المقالات

لماذا فشل الربيع العربي؟

في  مثل هذه الأيام منذ ثمانية أعوام كانت شوارع العالم العربي تضج بالهتافات والمسيرات والإضرابات، كانت هناك شعوب منتشية بهروب الطغاة أمام جحافل الثوار، وشعوبا أخرى قد اقتربت من تحقيق الحلم، والآخرون يراقبون ويتأهبون للإنضمام إلى طابور الثورات.

 لم يكن أحدا مصدقا لما يحدث الجميع، أخذه الذهول، كان الانفجار مباغتا وقويا ومزلزلا.

الظلم والاستبداد والفقر والتهميش وانسداد قنوات التغيير وتلاشي الأمل في حدوثه، أوقد الغضب في نفوس الناس وضمائرهم، فلما سنحت لهم الفرصة خرجوا وصرخوا وضحوا لكي ينالوا حريتهم، ووقفوا في وجه آلة البطش وفوهات البنادق، ورووا الأرض بدمائهم راضين بما يدفعونه من ضريبة، فاضطرت الأنظمة إلى التقهقر خطوات كبيرة إلى الوراء، فجاءت لحظات النشوة والفرح والانتصار، بهروب الحكام وسقوط الأنظمة وتحقيق النصر.

تخلص الناس من الأنظمة الجاثمة على صدروهم عقودا طويلة، وظنوا أن قادمهم أفضل، فراحوا يحلمون، ويرسمون في خيالهم غد مشرق، حتى أفاقوا من أحلامهم على واقعهم المرير، وأن تلك الأحلام قد تجمدت، وأن التغيير الذي يحلمون به قد توقف عند مرحلة معينة، فقد اصطدمت تلك الثورات بأمواج هائلة من المؤامرات، والثورات المضادة ، والفوضى، والإرهاب، والانقسام، والتدخلات الخارجية، وامتلئت الشوارع بالدماء والسجون بالمعتقلين مرة أخرى، وفشلت الثورات في بعض البلدان، وتوقفت حركتها وتجمدت في أماكن أخرى، وقد اعتبر البعض أن الربيع العربي قد مات وانتهى، ويعتبر البعض الآخر أن هذه الموجة قد تجمدت وستحدث موجات أخرى عما قريب.

ولعلنا نسأل بعد تلك الأعوام ما هي أسباب ذلك الفشل؟ وبالطبع ستكون الإجابة الأكثر سهولة لنا هي التعويل على المؤامرات والثورات المضادة، وهذا وإن كان حقيقيا إلا أنه بديهي، وطبيعي أيضا حدوثه، لكن كيف وصلت تلك الثورات إلى الضعف الذي سمح لأعدائها بهزيمتها، هذا الذي نقصده بأسباب الفشل، وبالطبع الموضوع طويل عميق لا يكفيه مقال ولا مقالات، ولكن سأذكر هنا بعض النقاط التي رأيتها هامة ومؤثرة في فشل تلك الثورات في تحقيق أهدافها :

عدم وضوح الأهداف :

لأن هذه الثورات جائت مفاجئة عفوية غير مخطط لها، فقدكانت الأهداف عامة وفضفاضة مثل تحقيق العدالة والكرامة والحريات، ولكن لم تترجم تلك الأهداف بعد ذلك إلى برامج وخطط وأدوات وتوقيتات، ولم يتفق الثوار على برنامج مشترك أو مشروع كبير لمرحلة انتقالية تصحيحية يتم فيها إرساء قواعد النظام الجديد، وصياغة المبادئ والأهداف إلى جزئيات قابلة للتطبيق.

النخب المضللة:

وفي الحقيقة إن ترجمة تلك الأهداف إلى برامج ومشروعات وصياغة عقد اجتماعي جديد، من يقوده هم الأشخاص المؤثرين والمثقفين،  الذين يلتف حولهم الناس ويثقون بهم، والثورات الفاعلة تحتاج إلى قادة مؤثرين ومخلصين، ولكن تلك الثورات افتقدت مثل هؤلاء القادة الملهمين الذين يجمع عليهم الناس، وتحولت تلك النخب التي كان الناس يثقون بهم إلى نخب مضللة، سواء عن عمد ومصالح خاصة، أو عن جهل وقصور، فقادوا الناس إلى النزاع والفرقة والتشتت.

البناء على قواعد الماضي :

تعمل الثورات دائما على هدفين رئيسيين هما  الهدم للأنظمة التي ثارت عليها،  البناء لنظم جديدة، والحقيقة المؤسفة أن الدول التي سقطت فيها الانظمة في الربيع العربي لم تكمل هدم الانظمة وقواعدها، وانما اكتفت برحيل روؤس تلك الأنظمة فقط، وحينما شرعت في البناء، بدأت على نفس قواعد وأسس تلك الانظمة، وبنفس آلياتها، وعلى نفس منظومة الفساد، وكأن المشكلة كلها في روؤس الأنظمة، بينما هي قد خلقت أوضاع فاسدة وصلت إلي كل مفاصل المجتمع ومؤسساته وبنيته، وكان يجب عل الثورات أن لا تكل حتى تقتلع تلك الجذور، لا أن تبني عليها فكلما قارب البنيان على التمام هدم هؤلاء الفاسدون بنيانه فتهدم وسقط، أو تحكموا في مساراته ووجهوه كما أرادوا.

إغفال الجانب الاجتماعي:

إن الثورة بالأساس هي فعل اجتماعي، تهدف إلى إحداث تغييرات اجتماعية في أحوال الناس، وطبقاتهم، ونظام حياتهم، والتغيير السياسي في بنية الحكم،  هو وسيلة لإحداث هذا التغيير الاجتماعي المقصود، وبالتالي كان الخطأ الأساسي لهذا الثورات أنها وضعت هدفها في التغيير السياسي فقط الذي سيطر على كل الاهتمام والتفكير، ولم تهتم بالجانب الاجتماعي.                                                فالمجتمع الذي ترسخت فيه قيم اجتماعية ظالمة وتفرقة عنصرية بين طبقاته، وأصبح معتلا، وتفشت فيه الأمراض الاجتماعية، وضربه الانقسام، وزادته تلك الثورات انقساما، كان يجب أن يتم معالجة كل تلك القضايا أولا، ويتم عمل حوارات مجتمعية متعمقة، ومصالحات بين أبنائه كتلك التي حدثت في دول كثيرة بعد ثورات أو حروب أهلية، وزيادة مساحات التوافق والتفاهم، وأن يشارك الجميع في وضع وصياغة مستقبله على أسس جديدة، وبدايات نظيفة، فليست الديمقراطية آليات فقط يتم تطبيقها، وإنما هي روح وجوهر، لذا فهذا الانقسام المجتمعي، والبعد بين الفئات والقوى والطبقات، هو ما استغلته الثورات المضادة وعمقته ولعبت على وتره.

السذاجه الثورية: 

اتسمت هذه الثورات  منذ بدايتها وفي جميع مراحلها بالسذاجة، منذ ظنها أن سقوط رأس النظام يعني سقوط النظام كله، وأن العملية السياسية والانتخابية كفيلة ببناء نظام جديد، وإلقاء المسؤلية على عاتق بعض القوى  لمجرد أنها وطنية ومنظمة، ظنا أنهم قادرون على حمل مسؤلية الوطن وحدهم، وأن الفاسدون سيتركون أنفسهم للحساب والعقاب دون كيد وتربص، واستمرت تلك السذاجة الثورية حتى انطوت عليها الألاعيب والمؤامرات، وتم جر الجميع إلى مناطق بعيدة عن خندق الثورة.

الانتهازية السياسية:

 دائما ما تكون الصفوف الموحدة عصية على الهزيمة، والجموع الفاعلة غير قابلة للكسر، وهكذا انتصرت الثورات في بداياتها، ولكن ما أن ترك الجميع الميادين، وبدأت لعبة السياسة، تسابق الجميع لتحقيق المكاسب، وانحاز كل لحزبة وجماعته وايديولوجيته، وانقسم الصف إلى صفوف كثيرة، سهل اختراقها وتفريقها وتأليبها وذرع الشقاق والمكيدة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

كرم التركي

باحث في العلوم الانسانية والاجتماعية وكاتب ومدون أسعى أحب الحياة واعشق المعرفة ومؤمن بقوة الكلمة وتأثيرها وأن الكتابة رسالة لابد أن نؤديها اعشق الحرية وأكره القيود وأحب العمل الجاد ومستعد أن أضحي في سبيل ما أؤمن به احب العمل الجماعي واتميز داخل الفريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى