أسلوب حياة

لماذا علينا تقبل الآخر المختلف؟

أيهما الأصل، التشابه أم الاختلاف؟

كل شيء في الطبيعة يشير إلى التنوع والاختلاف، التنوع البيئي ،اختلاف الطقس، مظاهر الطبيعة المتعددة من جبال وسهول ووديان، ثم صور وطبائع البشر، و ما يلائم بيئة معينة لا يلائم الأخرى، وما يستنبت في مكان قد لا يستنبت في مكان اخر، هذا التنوع كله ينتمي الى أصل واحد وهو الطبيعة، ويرتد جميعه في النهاية إلى عناصر بسيطة، لكن بسبب التغير قي تركيبة العناصر البسيطة في الكمية والنوع، ينشأ هذا الكم الهائل من التنوع والاختلاف.

نحن إذا أمام طبيعة واحدة وأمام نفس العناصر البسيطة المكونة، وفي نفس الوقت تنوع لا متناه قائم وقابل للوجود في المستقبل، وأمام هذا التعارض الظاهري، يستقبل الوعي البشري في البداية التنوع ويرى مظاهر الاختلاف قبل أن يدرك الوحدة وأصل التشابه الذي يحتاج إلى التعمق في الرؤية.

ميل الإنسان إلى حالة التماثل والتشابه

مع أن التنوع يملأ الطبيعة ويلوح لنا أينما نظرنا، إلا أن الانسان ينزع الى ما هو مماثل ومشابه، و بهذا الميل يتعارض مبدأ الإنسان مع مبدأ الطبيعة مع أنه جزء من الطبيعة، ويخضع إلى قانونها ومبدأها في التنوع، فلا تكاد ترى بشرا يشبه الآخر ولا يخرج عن القاعدة إنتاجه المادي والثقافي، فليس بعيدا عن الإدراك اختلاف كل مظاهر حياة الإنسان من أدوات العمل وأدوات الطعام وشكل المنازل وصولا الى الثقافة والدين.

إذا ما الأسباب التي تقف وراء معارضة الإنسان للطبيعة ولطبيعته نفسها في ميله إلى كل مماثل ومتشابه، بل إلى رغبته في إقصاء كل ما هو مختلف؟

يعود هذا الميل بنظري إلى عدة أسباب منها ما يتعلق بظروف معيشته، وآخر يتعلق بطبيعة نفسه، و سأعرضها كالتالي:

الإدراك الأولي:  أول ما يدركه الإنسان هو محيطه القريب، فيتشكل لديه وعي واعتقاد بأن كل الكون على شاكلة المحيط الذي يعيش فيه، واذا لم يرحل عن بيئته الأولى فإنه لن يرى غير ما اعتاد عليه، ويتشكل وعيه على أساس التشابه، وقد تحتوي بيئته تنوعا لكن مع اعتياده المتواصل سيجده متشابها ولن يرى مظاهر الاختلاف، نقطة مهمة سيتبين أثرها لاحقا وهي أن هذا المحيط الخارجي سيتحول إلى جزء من الداخل أي الذات ولن يبقى شيئ خارجي عن ذات الإنسان نفسه، بمعنى آخر تذويت الشيئ الخارجي.

مبدأ العادة: باستمرار الإنسان في بيئة واحدة ومع نفس الأشخاص سيترسخ لديه ذلك الوعي الأولي ويصبح أكثر صلابة وأقل مرونة، فلا يعود يتقبل أي مظهر مختلف لما ألفه واعتاده، ومع أنه في البداية  قد اختلف مع الأشخاص المحيطين به في نفس البيئة، إلا أنه بحكم العادة وتعاطف الطباع والأفكار يلجأ لتقريب المتنوع إلى بعضه وجعله متشابها و إلى إنتاج شي مشترك بين الجميع بسبب ما فرضه وجودهم جميعا في نفس المكان، وبسبب الطبع الاجتماعي للفرد تحول الخارج المختلف الى داخل متشابه.

الخوف: بحكم جهل الانسان بالطبيعة الذي صاحبه منذ بدء حياته على الأرض ومنذ ولادة بذور الوعي الإنساني، ولا زال مع تقدم إدراكه وتطور أدواته التي يسيطر بها على حياته وعلى بيئته فإنه يميل الى ما يشبهه أو جعل ما هو مختلفا عنه مشابها له كي يزيد طمائنينته أمام الطبيعة التي لا يفهمها، فهو يتقوى بكل ما يماثله ويشعر بخوف مبهم تجاه كل ما يختلف عنه ولا يخضع لما اعتاده، إذا يصبح كل ما هو مختلف عنه، ولا يستطيع جعله مشابها له وبالتالي جزء من الداخل خطر يهدد وجوده، وبالتالي مصدر لعداءه وكرهه، هذا الخوف وما أنتجه قد ساهم في تشكيل الثقافات وحكم النظر الى الآخر المختلف وما عززه وقواه نظرة العداء المتبادلة للمجموعات المختلفة عن بعضها بسبب المبادى ذاتها.

نزوع السيطرة:  هذا المبدأ ليس عاما وإنما ينحصر ببعض الأشخاص لكن أثره يمتد ليصبح عاما، فمن يميل إلى السيطرة تقوي سيطرته حالة التشابه ويضعفها الاختلاف، فمن يحكم مجموعة أشخاص أو شعبا يسعى دائما لتعزيز واقع التشابه وترسيخ العداء لكل ما هو مختلف، وهو ما فعله في الماضي كهنة اليهود بمنعهم من الاتصال بمن سموهم بالغوريم أي الآخرين من غير اليهود، ومنع دخول مجموعات أخرى الى الديانة اليهودية ليحكموا بذلك سيطرتهم على القبائل اليهودية وقتذاك، ونجد هذه الممارسة من قبل الزعماء والقادة على مر التاريخ وحتى يومنا هذا، فتجد الكثير من الدول خاصة المستبدة منها تعمل على إلغاء أي وجود ثقافي غير الثقافة الرسمية وإقصاء كل مجموعة تحمل ثقافة وتركيبة مختلفة عن المجال العام إن فشلت في إدراجها في السياق العام المعتمد.

نماذج عن حالة التنوع والاختلاف ومحاولة استبعادها واستبقاء نموذج واحد:

في تاريخنا العربي العديد من الممارسات الساسية الثقافية للتوحيد وإقصاء التنوع من أبرزها، ما جرى من تقنين للغة العربية واعتماد لهجة قريش واستبعاد كل اللهجات التي كانت سائدة في الجزيرة العربية آنذاك، وذلك في سبيل تقوية سيطرة قريش السياسية وتعزيز هيمنتها الثقافية.

مثال آخر على المحاولة لاحتواء التنوع ضمن قواعد ولكنها فشلت في نظري، حيث عمد جامعو اللغة وواضعو أسسها الأوائل إلى حصر أنواع الجمع بثلاثة وهي جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير ،واعتبار النوع الأول والثاني القاعدة، والثالث أي جمع التكسير هو الشاذ، لكن بنظرة متمعنة نجد أن الشاذ أكثر بكثير من القاعدة، وعليه لم يستطع منظروا اللغة ضبط التنوع والمختلف،  وفي مجال الفقه اشتهر في عالم الإسلام أربعة مذاهب، الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، أولهم كان المذهب الحنفي نسبة الى مؤسسه الإمام أبو حنيفة النعمان.  اعتمد المذهب الحنفي خاصة في بداياته قواعد فقهية كالاستحسان والاسترسال وتغليب الرأي على النقل والذي فيه إقرار بالتنوع والاختلاف، لكن هذا النهج لم يصمد أمام علم أصول الفقه الذي أسس له الإمام الشافعي والذي اعتمد أربعة أسس للفقه وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. حيث سعى إلى إقصاء الراي واعتماد المنقول أي ما تم اعتماده، وعندما أتاح فرصة للرأي في الأصل الرابع الذي هو القياس اشترط وجود أصل سابق للقياس عليه وجعل اللحق مشابها للسابق وبالتالي فان أي شيء يتعارض مع أصل موجود سيتم رفضه، بذلك تم ترسيخ قاعدة التشابه وتغليبها على قاعدة التنوع واحتمالية الاختلاف، و هكذا تم ترسيخ الميل للتشابه في الدين وفي اللغة وامتد إلى كل أشكال الثقافة واستبعاد واقع التنوع والاختلاف.

صيرورة الوعي:

بازدياد الوعي والاحتكاك بين الشعوب والمجموعات المختلفة الذي أصبح أمرا مفروضا لا مفر منه، تشكل وعي مضاد للوعي الأولي وهو وعي التنوع والاختلاف انطلاقا من الطبيعة وامتداده إلى الانسان ومظاهر حياته، ومع التقدم ازداد وعي الفرد لنفسه ولاستقلاله عن المحيط الذي ينتمي إليه وتطلعه إلى عوالم أخرى غير الذي نشأ فيه ،بل وارتباطه بصلات مع أفراد آخرين من بيئات وثقافات مختلفة.  هذا الواقع المعاصر وضعنا أمام وعي آخر غير الذي اعتدنا عليه – وعي مقابل وعي- ومع تقدم الوعي المتجدد نكتشف أن الاختلاف والتنوع لا ينحصر بيننا وبين مجموعات أخرى بل داخل مجوعتنا نفسها وحتى داخل الفرد الواحد، وفي كل لحظة ومع كل تجربة جديدة نكتشف بداخلنا تعارضا جديدا نسعى الى تسويته.

عودة إلى البداية:

ننتمي جميعا إلى طبيعة واحدة وتجمعنا عناصر أولية مشتركة، لكن هذه الطبيعة تحمل في نفسها أصل التنوع والاختلاف الذي لا يلغي الانتماء المشترك ويحمل إمكانية التواصل والالتقاء، وما علينا عمله هو تفكيك أسباب العداء لكل ما هو مختلف لسبب بسيط وهو أنه موجود وأصيل في الطبيعة وهو سابق في وجوده على وعينا الذي احتاج إلى وقت لإدراك حضوره .

إذا لأسباب وظروف تاريخية استعرضنا بعضا منها تعارض ميل الإنسان مع مبدأ الطبيعة وقد جاء الوقت كي نرفع هذا التعارض الذي دخلنا بسببه في دوامة من الكراهية والعنف المتبادل حتى داخل البيئة الواحدة، وأن ننظر  للآخر المختلف عنا نظرة تقبل واحترام لوجوده.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أشرف قراعين

فلسطيني من مدينة القدس. أتممت دراسة المرحلة الأساسية في السعودية . حصلت على لقب اول في القانون من جامعة اليرموك في الأردن. عملي الحالي محامي. باحث في قضايا الديمقراطية وفي المجتمع العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق