ثقافة وفنون

لماذا حرض سيوران الإنسان على الانعزال بمفرده؟

أثناء خلوة ما، جاء في بالي تجربة ما، وهي ببساطة ماذا يحدث لو أننا وضعنا نقطة حبر في كوب مياه، 200 جرام مياه مثلًا في الكوب، بمجرد اختلاط نقطة الحبر سيفسد الماء، لن يصبح قابلًا للشرب أو للاستخدام حتى، ماذا حدث إذًا، ببساطة بمجرد أن إختلط الماء بما يفسده ولو نقطة بسيطة فسد الماء كله ، لذلك كانت العزلة الإجتماعية هي المُنقذ الوحيد من بيئة فاسدة.

نظرة عن فلسفة سيوران حول العزلة الاجتماعية

“الآخرون هم الجحيم ” تلك العبارة التي استخدمها سيوران الفيلسوف الروماني الأصل، والذي لديه فلسفة خاصة عن العزلة الإجتماعية ولذلك دائمًا ما تكون عبارة سيوران حاضرة دومًا لطالما تحدثنا عن العزلة ” على الإنسان أن يتعود علىّ أن يكون بمفرده أكثر مما يتعود على الإختلاط بلآخرين “.

لماذا حرض سيوران الإنسان على الانعزال بمفرده ؟

من خلال الغوص في فلسفة سيوران عن العزلة والأمثال التي استخدمها ورؤيته للعزلة الإجتماعية نعرف أن سيوران يرى أن الإلتزام بالذات الفردية شكل من أشكال مركز الجاذبية وعلاج الأمور.

ببساطة لو إتخذنا نهج سيوران، عزلة الفرد، كل شخص يخلو بنفسه في غرفة ما وهذا هو ما أكد عليه في كتابين ، ” نافذة على العدم ” و ” المتناقضات “. الذي أكد فيهما أن باستطاعة كُلّ إنسان أن يغرق في هاجسه الذاتي من الفجر حتى منتصف الليل حتى يتجاوز نفسه ووعيه وهو في رحلته في مواجهة الألغاز والأسرار..”

ومن هنا تتجلى معالجة المحن وإنهيار العالم الذي بدا في انهياره رويدًا، رويدًا، مُنذُ أن تحكمت الرأسمالية وتوغلت في العالم كله حتى بدت في نهش أجسادنا، كنهش الجراد للقش.

يتجلى ذلك كله عند سيوران في أمر بسيط، يكمن في عزلة الفرد عن المجموعة، حيث يستقل تمامًا في بيئة أشبه بالصحراء أو الغابة ويصفو مع الذات.

من هنا يفهم الإنسان رويدًا، رويدًا، الأمور من حوله. كيف يحدث ذلك؟

ببساطة ماذا يعنى أن ينعزل الفرد؟

العزلة تعني الفراغ وبحسب تجارب عديدة، لا يستطيع العقل البشري أن يجلس في الفراغ متكأٍ على اللاشيء، إذًا، لابد من طرح أسئلة وحتى ولو كان سؤالًا واحدًا، ينجو به الإنسان من الجنون . ومن هنا سيطرح العقل أسئلة تلو الآخرى ، فيشرع في خلوته إلى البحث المستمر عن إجابة، عن ماهية الأشياء وعن الهوية والذات . فبعد أن يتسأل عن الأزهار والسماء والإيمان والحق ويتجلى في الكون ويصل لحقيقة المخلوقات وعظمة الله تعالى والحب والخير والشر سيصل في النهاية إلى سؤال مهم ، ليتسأل عن الموت!

وهنا يتضح كل شيء، لأن الموت يعري الحياة من ردائه الماسخ ويرى الفضيحة التي قُتل بسببها ملايين البشر وبدا الصراع بسببها، سيصل للإجابة، أنّ كُلّ هذا الذي نعيشه ونراه من ثورة وحُكم شمولي مطلق وحروب دموية وصراعات داخلية، وصراعات بين البشر بعضهم لبعض سيمضي ويذهب إلى حيث آتى، من العدم.

هل يمكن أن تكون فلسفة سيوران خاطئة؟

أقصد هُنا، هل تعتبر عزلة الفرد هي إنسحاب من المسؤولية تجاه الأرض؟

أثناء كتابتي لهذا المقال وأنا أفكر وأبحث في الذاكرة عن صراع الحق والشر في تاريخ المجتماعات والحضارة البشرية جاء في ذهني الفيلم الأمريكي الأشهر، المصنف ضمن أفضل الأفلام السينمائية في التاريخ، وهو فيلم إثنا عشر رجلًا غاضبًا ” 12 Angry men “.

في سيناريو الفيلم الذي كتبه ريجنالد روز الذي يحكي قصة شاب متهم بالقتل ، جريمة جنائية من الدرجة الأولى ، تنعقد جلسة لهيئة المحلفين المكونة من إثنا عشر رجلًا لتحديد إذا كان الشاب بريء أم متهم فعلًا . ويبدأ الصراع حيث يرى الممثل هنري فوندا أن الشاب بريء فيحاول الوقوف ضدهم وإقناعهم ، وبالفعل ينجح في إقناع الرجال الآخرون ويثبت لهم براءة الشاب.

هذا السيناريو جعلني أشك للحظة في فلسفة سيوران عن العزلة، وترك المجتمع والمسؤولية حوله ، ولكن بطريقةٍ ما يبدو هذا الأمر الآن غير واقعي، فالعالم أصبح تائهًا، تغييره بات صعبًا للغاية ومجرد الإختلاط فيه والغوص في أموره يفسد الطيب ويصبح المجتمع كله فاسدًا.

لذلك نظرية سيوران الفلسفية عن العزلة هي الأصدق في مواجهة عالم سيء، دمرته المادة، والحضارة الرأسمالية وجعلت منه مسخًا.

زر الذهاب إلى الأعلى