ثقافة وفنون

لماذا السفر وحيدًا ؟ هنا السبب..

كانت البداية في عام 2015 وأنا لا أزال في سنّ الطّعش وتحديدًا 19 عامًا عندما قررت ولأول مرة أن أخوض تجربة السفر وحيدًا.. لم يكن القرار بتلك السهولة ولكن لم يكن بتلك الصعوبة أيضاً، فأنا اؤمن أن الشغف دائماً ما يجعل أصعب الأمور تبدو سهلة جداً.

ستعرف كل شيء هناك

كان موعد الرحلة في ال٢٠ من رمضان، ولأني علِمت بموعد الرحلة كانت الأيام تبدو وكأنها تمضي ببطء شديد، كانت أول مرة! حتى أنني لازلت اتذكر جيداً سؤالي لأخي الأكبر عن كيفية إنها إجراءات المطار، وجوابه لي بابتسامة ساخرة (ستعرف كل شيء هناك) نعم لقد كانت تلك الإجابة فارقة في نفسي، فأنا حقاً عرفت (كل شيء) هناك.

في ليلة ال٢٠ من رمضان وقبل ٦ ساعات من موعد الرحلة كُنت في المطار، كانت قدم تسحبني لصالة الانتظار وأخرى تريد أن تعيد أدراجها، كان الانتصار للشغف طبعاً، ولكن كنت أشعر وكأني ذاهب للمجهول، لم أكن أعرف ماللذي سيواجهني، فأنا لم اتفق مع مكتب أو مع سائق أو حتى فندق يلم شتات ذاك الشاب الطائش بعد رحلة ١٢ ساعة! لكن لطالما ماكان هذا هو الحافز الأول لي، فأنا أرى في الغموض متعة ضرورية، فلا أظنك ستكمل هذا المقال إن كُنت تعرف نهايته.

ماليزيا ذات الفضل

كانت ماليزيا وتحديداً كوالالمبور هي البذرة الأولى اللتي جعلتني أشعر وكأن السفر لا يستهويني فقط بل هو جزءٌ منّي عندما أيقنت أن السفر هو إثراء للروح وتوسيع للمدارك، وتعزيز للاستقلالية، فأنا أرى في السفر ضرب من الجمال، بل أسمى من ذلك بالفعل، فهو أكثر تميزاً كلون السماء في أول الصباح، كرائحة مخبز عتيق في أزقة باريس، كإنعكاس ضوء القمر على موج بحر هاديء في ليلة حالكة. للسفر أهداف أسمى بكثير، فكما قال الكاتب الامريكي مارك توين: (السفر يقتل الانحياز، والتعصب الأعمى، وضيق الأفق).

ما جعلني أرى السفر وحيدًا بنظرة أعمق هو أنني سافرت شخصاً وعدتُ شخصاً آخر تماماً. الكثير من المفاهيم تغيّرت، لم يعد يهمني شكل الاشياء، الان انا ابحث عن جوهر الاشياء! أصبحت أستطيع رؤية الجمال في توافه الأمور. لم يعد يهمني الظاهر أكثر من الباطن. سطحيتي اختفت حتى أيقنت ان اختلاط المرء بثقافات تختلف جذرياً عن ثقافته تجعل منه شخصاً أكثر عمقاً ونضوجاً واستعداداً لمواجهة العالم باختلاف ثقافاته.

ماتطفش لحالك؟ سؤال يرافق تجربة السفر وحيدًا

كرهت هذا السؤال ليس لأني لا أريد الإجابة أو لكثرة تكراره، ولكن بسبب عدم اقتناع السائل غالباً بالإجابة، أنا لا يعتريني الملل ياصاحبي ليس لأني شخصاً شغُوف أو يمشي مرفوع الرأس مبتسم المحيّا، أو يجد السعادة في كومة القش، ولكن لأني عندما أزور تلك المدينة أدخلها لوحدي وأخرج بالكثير، الكثير من الأصحاب، الكثير من الثقافات والمفاهيم الجديدة، الكثير؟ نعم ولولا احترام اللغة لكررت الياء عدة مرات.

الاندماج في السفر

السفر يصبح مثري جداً عندما يتعلق الأمر باختلاطك بأهل المدينة وعيشك بنفس طريقة عيشهم، فأنا أتعمد السكن بفندق محلي في حي متوسط المستوى، يتيح لك أن تستيقظ مبكراً وبسبب بساطة المباني تستطيع أن تشم رائحة الخبز المحمّص والقهوة المحلية قبل خروجك. يتيح لك عند المشي بين أزقتهم الضيقة أن ترى تلك البساطة في وجوه أولئك الكادحين بشدة ليضمنوا استمرار عيشهم في تلك الشقق البسيطة.

أيضاً يتيح لك استخدام المواصلات العامة والعيش تماماً كأهل المدينة البسطاء، فلازلت أذكر رحلتي في ذلك القطار المتهالك وحديثي القصير مع ذلك الشاب الجورجي واهن الملامح غريق العينين الذي لايكاد ينطق الانجليزية إلا أنه بكلماته الركيكة ورجفة صوته المنخفض كان يحاول جاهداً أن يصف حال أهل قريته البائس. مثل هذه المواقف توقظك من سبات النعمة، تزيل بشاعة الغرور، وتجعل منك شخصاً أكثر تواضعاً.

لذلك أرى أن السفر لايصبح بذلك الإثراء عندما يقتصر على ذهابك لأشهر الأماكن السياحية، أو أكبر المجمعات والأسواق، هذا كله غالباً لن تجده وأنت تسافر مع عدة أشخاص لهم معاييرهم الخاصة بالسفر، أو مع شركة سياحية تأطر لك رحلتك وتسطّحها.

البساطة أصعب من التصنع

البساطة صعبة جداً فأراها أعمق من التعقيد وأصعب بكثير من التصنع لذلك أنا أحترم البسطاء وأحب البساطة، فرحلاتي لاتكلف شيئاً يذكر. أذكر ذات مره قال لي صديق يحب السفر ناصحاً وهو متكئ على كرسي مميلاً رأسه للوراء وقد بدت عليه ملامح الثقة بأن الدهشة ستمتلكني عندما أسمع نصيحته: (خذ معك شنطة كبيرة فاضية عشان تملاها ملابس وانت راجع) هو لايعلم أنني لا أخذ حقيبة السفر بالأصل، أخذ نفسي، وحقيبة الظهر، يصاحبني كتاب، وموسيقى مفضلة، وأعود محمّلاً بالكثير. الكثير مع تكرار الياء كما أخبرتك سابقاً، كافي جداً.

العشوائية والغموض في السفر وحيدًا

أيقنت أن القيمة المضافة تتضاعف في حال السفر وحيدًا.. فاستقلاليتي تعلمني التعامل، وعشوائيتي تعزز التجارب، لذلك أنا لا أخطط للسفر، أنا فقط أقوم بحجز الفندق والطيران، وكم أكره المرشدين السياحيين، فأهل المدينة أراهم أفضل المرشدين، فهم لا يريدون بالضرورة تحسين صورة مدينتهم او اتباع بروتوكلات سياحية، هم يضعون لك تلك الصورة الخام في إطار حقيقي لتعرف أكثر وليس لتُعجب أكثر. لذلك لا أخطط، لأني أرى في العشوائية والغموض كسراً للرتابة وتعزيزاً للشغف.

أخيراً، إذا اعتدت السفر على أفضل الخطوط ولأشهر المدن وفي أرقى الفنادق فأنا كتبت لأخبرك أن هنالك جانب آخر لم تعتده قد يغيّر حياتك، ولأن الحياة تغنيها التجارب سيكون من المحبط أن لاتجرب. وإذا كنت من ميسوري الحال، وتعتقد أن السفر فقط للطبقة المخملية فأنت مخطئ، تستطيع السفر بأقل التكاليف فقط عليك أن تبحث وتسأل، لذا احزم حقيبتك وسافر لنفسك وليس للآخرين.

اقرأ أيضًا :

السياحة إلى الأحياء الفقيرة

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Mohammed Saadi

م. محمد سعدي مواليد مدينة الدمام. المملكة العربية السعودية. خريج كلية العمارة والتخطيط. أعمل مهندس معماري في مدينة الرياض. أقرأ كثيراً. أكتب أحياناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق