مدونات

لماذا أهتم بالأدب الفارسي؟

يعتز الإيرانيون عامة بأدبهم أيما اعتزاز، سيما الأدب الكلاسيكي، أما المثقفون منهم والمختصين فإنهم يفنون حياتهم في الأدب، قراءة ومطالعة واهتمام ومتابعة، وهم يفتخرون بقضاء أمتع الأوقات مع تراثهم الأدبي، وهذا الاهتمام نابع من طبيعتهم، واحساسهم بأن الأدب بالنسبة اليهم ملاذ عظيم، ويشكل على نحو ما طابع حياتهم الخاصة، ففي الحقيقة لا يخلو بيت في إيران من ديوان حافظ كما هو معروف، إلى جانب الكتب الأخرى للجامي وسعدي والخيام والرومي وغيرهم.

أما أن تجد شخص عربي يهتم بالأدب الفارسي والثقافة الإيرانية فإن ذلك أمر مبعث للسرور، حيث أن الاهتمام بالأدب الفارسي في الوقت الحالي عند العرب إن لم نقل أنه شبه معدوم فإنه على الأقل ضعيف نوعا ما مقارنة بالآداب العالمية الأخرى.
من وجهة نظري أرى أن الترجمة الجيدة التي ترقى لمستوى النص الأصلي هي الطريق الوحيد للتعرف على الأدب وجذب انتباه القراء، وخلق مساحة شاسعة من الاهتمام تجعل القاريء في تلهف دائم لكل ما هو جديد في هذا الأدب، وهذا ما نجده غائبا إلا في مشاريع منفردة يقوم بها عدد قليل من المترجمين ولكن لا بأس بهم.
ومن ثم تأتي دور النشر لتكمل مهمتها في تحقيق إنجاز الترجمة وبعث الروح فيها، إذ أن ما يتوجب على دور النشر هو أن تكون هي في البداية الأولى بالاهتمام، فالقاريء الذي لا يجد دور نشر مهتمة بالأدب الذي يقرأه لن يخلق ذلك عنده الحماس للاهتمام والمتابعة.

إن الاهتمام بالأدب الفارسي بالنسبة لنا نحن العرب يختلف كثيرا عن أي من آداب الأمم الأخرى، إذ أن ثمة روابط وثيقة وصلات غامرة تجمعنا بأمة الفرس، وهي ليست وليدة اليوم أو الأمس ولكنها وجدت منذ بدء التاريخ الذي حتم على أن يكون الفرس مجاورين للعرب ومشتركين لهم في بناء الحضارة ومواكبة التاريخ.
فأنا كعربي اهتم بالأدب الفارسي لأنني أجد صلات وثيقة تربطني بمن يكتب هذا الادب، ولا أكاد افقد التشابه بين أحوالنا وأحوالهم، كما أعتقد أن فكرهم ليس سوى جزء من فكرنا والعكس صحيح.

ثمة روح صوفية وروحانية في الأدب الفارسي سيما الشعر، و يمكنني القول أن الشعر الفارسي الكلاسيكي  معظمه صوفي أو يشترك مع العرفان في التعبير أو المضمون، فمعظم ما قرأته من شعر الفرس لا يذهب بعيدا عن التصوف ابتداء من سنائي حتى حافظ مرورا بالعطار والرومي والخيام وكنجوي وسعدي وسنائي وناصر خسرو وغيرهم.
والقراءة في التصوف هي ليست قراءة فحسب، بل هي صلاة روحية فريدة، وانصهار لآلام النفس البشرية، وهذا ما يبحث عنه كثير من هواة الأدب والفقراء بشكل عام، حيث أن المفردات التي نجدها في هذا الشعر الفارسي تصقل الروح وتزيل كمًا من اتعابها لأنها في الحقيقة مفردات قريبة جدا من واقع النفس البشرية أي نفس كانت، وهذا باعتقادي هو ما بحاجة إليه إنسان هذا اليوم أكثر من أي شيء آخر.

هناك إذن زوايا كثيرة تحصر القارئ العربي للتقرب والاهتمام بالثقافة الإيرانية وأهمها ما يرتبط بالدين واللغة.
إننا نشترك مع الفرس بالدين وهذا يجعل التواصل معهم شديد الأهمية، فنحن عندما نقرأهم أو نقرأ عنهم لا نشعر بالاغتراب، وأما في مجال اللغة فإن هناك تشابه وارتباط كبير بين العربية والفارسية بالرغم من اختلاف العرق والانتماء، وهناك كم كبير من المفردات العربية اقتبستها الفارسية وبالعكس أيضا، وهذا التقارب اللغوي او التمازج او التأثير بين اللغتين هو في الحقيقة اندماج للسانين العربي والفارسي والذي أوجد مرونة لا يمكن أن يكون لها مثل بين الأمم الأخرى.

فعندما يطرح أحدهم هذا السؤال : لماذا تهتم بالأدب الفارسي؟ وهو يبحث عن حقائق مختلفة تكون حقيقة هذا الاهتمام غائبة عن ذهن البعض، لأن ثمة قضايا في مجال الدين او السياسة خلقت هوة بين الأمتين وأوجدت ما يسمونه “بالقطيعة السياسية” والتي تشظت وللأسف الشديد عن سوء فهم لمجالات أخرى. وهذا الأمر اعدم اهتمامٌ الجانبين بالأدب، فأصبح العربي يرتعش أو يتفاجئ من ذكر الفرس او إيران كما صار الإيراني يشعر بالاشمئزاز من ذكر العرب، واصبح تأثير ذلك قويا في كتابات بعض الأدباء من الجانبين.

ولكن بوجود مترجمين أفذاذ طوعوا أنفسهم لخدمة الأدب والعمل الترجمي استطاعوا ان يقضوا على هذا التشظي حيث كانوا همزة وصل بين ثقافة العرب والثقافة الإيرانية، وكانت هناك قائمة طويلة من المترجمين العرب والايرانيين الذين بذلوا جهود جبارة في خلق هذا الاهتمام وأحياء روح الأدب.
إن الاهتمام بالأدب الفارسي يعني بالنسبة لي الاهتمام ببذرة الحضارة العربية وجذور الفكر العربي، كما يعني الرجوع إلى التراث الذي كان يجمعنا كأمتين متحابتين ومنسجمتين.
إننا نجد في الأدب الفارسي كم لا حدود له من المعاني والمفاهيم والقيم الإنسانية، ونغوص في دائرة واسعة جدا من الأفكار التي تأخذ العقل إلى حدود بعيدة، وأجد دلالة ذلك في قول الشاعر الفارسي العظيم سنائي الغزنوي :

“هُناك معانِ كثيرة في قلبي لا يستوعبها بياني
إنني أفكرُ في ما لا أستطيع قولَهُ.

يحمل الموروث الثقافي الفارسي طاقة كبيرة من الجاذبية ويعكس نوعا من البساطة والذوق العالي وهو ما يتوق إليه الشخص الذي يريد الاستمتاع برحلته مع الحياة/الأدب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محمد عبد

مدون مهتم بالأدب الفارسي والثقافة الإيرانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى