مدونات

للمساواة وأشياء أخرى … تنتفض عقول المحروسة

طالما فاض واقعنا المصري بمظاهر الغضب النابع عن الشعور بعدم الرضى ولأسباب أساسية تمس جوهر الإنسان وواجبه تجاه نفسه، مثل إختبار فردية المعاناة وفقد طاقة الإحتمال والإمتناع عن التصريح وأحيانا تسريب شعور الغضبة والثائرة في توجيه السلوك إما بالسخرية أو المداهنة أو ممارسة الغضب كسلوك يومي.

وليس من الغريب أن تشعر فئة العلم بالتمييز الذي يمارس ضدها، كيف لا والمجتمع يحكمه سيناريو الهاجس الأمني، وتسيطر عليه هوامش الصفات الإنسانية من خوف وإمتعاض وبلاهة ولا عقلانية، سيناريو ممتهن من قبل قوى مؤهلة لتصنع ذهنية المواطن كما ترى، مخلص وفاني لها مقابل بقائه كما هو فاقد الجسارة والشجاعة والإبداع وقبل ذلك كله فاقدا لنفسه.

بشكل عام لا أمارس إنتقاد مباشر على جهة السوط والحديد، بل وإن إستطعت أطعن في إيجابية جهة العقل المؤسسي، أو الجهات المعنية بالعلم والعلوم والتعليم، مؤسسات تحمل العلم رمزية في مسمياتها، ولولا مساهمات أبنائها الفردية لكانت خاوية من المضمون، ناهيك عن هلاكها التقديري في مصاف التقدم لولا نبوغ النوادر من أبنائها وإستقامة أحلامهم الأمر الذي جعل لنا نصيب اللون الباهت في اللوحة الحضارية، لكن وبالحديث عن السواد الغالب من الطموح  لأرباب العلم بالداخل المصري حدث ولا حرج.

يولد العالم في مصر بعد تفوقه الدراسي التنافسي، وبعد مكابدة النهج التعليمي المحبط، ليصطدم بواقعه المعقد تعقيدا مركبا، وتتحدد أمامه معركة جديدة تتمثل في كم العمل المنوط به إنجازه وضئالة المقابل الذي سيجنيه، غير الروتين والذي ليس ممل وفقط بل مهين في غالب الأحيان، أمر يصرف إنتباه المعظم من الكل عن حماسه الذي دفعه لإختيار طريق الرقي.

عندما يغضب العلماء …. 

الموجة الغاضبة تلك مشروعيتها من من مشروعية مراكز أصحابها وأهميتهم البالغة الدقة في نسيج مجتمع العلم والعلوم على وجه شديد الخصوصية.

يشعر المرء أحيانا أنه يخاطب واقع كرتوني والمثير للسخط أن الدراما المجتمعية مختلفة عن سرد الحدث الذي تفرضه الدولة متمثلة في مؤسساتها التعليمية والعلمية.

فأصحاب القامة المجتمعية الظاهرة لا يشعرون بذات القامة التقديرية من عقل الدولة، بل و إن الدولة على الدوام تعتبر أنها منحتهم الشئ الذي يفقدونه، كالهالة الإجتماعية من مبدأ سد الأفواه.

لكن الحاجة على الدوام لها مظهرا لطلبها وهي في ذاتها دافع للبحث عن حلول إبداعية أكثر تأثيرا من منامطة النمط السائد للإحتجاج، وإن كان هذا النمط مستهلك من قبل، فهو بأقل تقدير إستطاع جمع الشكاوى الفردية ووحدها في شكله الحالي المتمثل في عريضة الغضب المفصلة بمعاناة أصحابها  تحت هاشتاج “علماء مصر غاضبون”، والمنتشر له مؤخرا أكثر من صفحة علي مواقع التواصل الإجتماعي.

لقد بدت المطالب أكثر من معقولة وإن قلنا بأنها طبيعية فسوف نكون عقلانيين بدرجة أكبر، والإستجابه لتلك المطالب لهو الأمر الذي على الدولة تيقنه إن كانت على الأقل تسعى  لإمتصاص غضبتهم، فمطلب المساواة بالحقوق أمر سعت له النفوس الغاضبة من تهميشها، يبدأ بتصريحه والسعي له رغم المجازفات والوصول به إلى حد الشعور بأنه ماثل ومتحقق.

كلنا غاضبون……

غير ذلك لا يمكننا الحديث عن فئة العلم الغاضبة دون التحدث بمنطق الغضب الذي أمسى يتكشف ويتفشى، والذي فرض نفسه كواقع ملموس، فبتنا نرى أنه بمجرد إعلان فئة إنتفاضها نرى تبعات من فئات أخرى لم تجد إلا من إعلان الغضب بد ، وتمتلئ وسائل التواصل الإجتماعي بإستغاثات ومطالبات بالحقوق وأخبار عن وقوع المظالم ووجع وإنتكاسات، صيحات لمجتمع لم يعد متماسك لأنه لم يعد الفاعل، لم يعد المنتج ،لم يعد المفكر،  كانت المظالم قديما ترد بالعدل الذي يظنه الناس في جهة الإنصاف، أما الآن فجهات الإنصاف أمست تحت طائلة فاعل يمكن وصفه تقديرا بما وصفة أحدهم “أشعر بأن أحدا في مصر يتفنن في وضع كل شئ بغير مكانه و مقامه ومحله”.

متى أنكرنا أن العدل هو أحد منتوجات الحرية، والمساواة صورة للعدل في وجه واحد، بإعتبار أن العدالة لا تقوم مع حقيقة ترد، أو حقيقة لها أكثر من وجه، حتى يصبح هكذا واقعنا متلبس بالغشم والغباء، صحيح إن الحياة مساحة للأخطاء ولكن ليست للأخطاء التي يجني غير مسببيها عقباها، هل ستحاكم الفوضى نفسها وتجني المساواة من قانون الغاب بركة اللفظ بها.

فإن كنت ستتجنب الفوضى الحاصلة، فأبدا لا تستطيع تجنب وقعها، بالتأكيد كلنا يريد القانون، فماذا لوكان القانون معبرا عن فوضوية المجتمع ومكرسا لها، إذا ستكون تحت طائلة عقابه لأنك تخالفه أومتخلف عن إتباعه.

خلاصة الأمر في حرية نملك منها فعل القانون الغير ملبي لإحتياج شعورك بالمساواة، وعدالة منكسرة  منتجة عن قانون لا يحترم تلك الحرية ولا يلبي حاجتك للعدالة، ومساواة متلبسة في شكل يحد من الحرية ويجنح بالعدل إلى حدود ضياعه.

إذا فكل المسميات لم تعد تعبر عن مضامينها، أمست تعبر عن الفوضى، لاتعتبر من حقائقها ولاتعبر عن نفسها  ، وأتسائل،؟.

أي حرية تشعر بها؟

أي عدالة تتمسك بها؟

أي مساواة تسعى لها؟

أي قانون يعبر عن كل ما سبق؟

من التاريخ وإليه إنه ببساطة خريطة للفعل الإنساني و الذي لا نعتبر منه، وعلى عكس غالب الأمم صرنا وإنكفئنا، فالأمم التي تأخذ من تاريخها بدوافع الإنجاز،  وتركل الحاضر ركلة الخصيم رغوبا فى تحصيل المستقبل هي الأمم  التي تجني الفلاح.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق