سياسة وتاريخ

للديمقراطية العربية أنياب.. فما الحال إذا انبثق لها ضروس!

الوطن هو المكان الذي ينشأ فيه الإنسان ويترعرع ويكبر ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً يصل إلى درجة أن يضحي بحياته في الزَّوْد عن حياضه، وخاصةً عندما تتساوى الحقوق والواجبات بين جميع أفراد الوطن تحت أي نظام سياسي وليس العصابة السياسية عندما تحكم.

إن الوطن هو من نِعم الله علينا، والوطن هو الدفء الذي يتدثر به الإنسان، والعلاقة بيننا وبين الوطن تصل إلى الحب الشديد، ولقد ورد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبل “أُحُد”: “هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ”، والإنسان بلا وطن فلا هوية له ولا قيمة بين الشعوب والأمم.

أما الوطن الذي يجعل المواطن يكفر به وحتى يهاجر منه بلا رجعة؛ فهو الوطن الذي تحكمه العصابة السياسية باسم الجمهورية في بعض البلدان بعد الانقلابات العسكرية في أغلب الدول النامية والإفريقية خاصة، أو باسم الملكية السلطوية في بلاد أخرى، أو باسم الإمبراطورية العاتية، أو باسم الحكم العسكري، أو بلا وجهة سوى أنها “عصابة” مثل: الحوثيين في اليمن أو الحشد الشيعي في العراق.

ملامح العصابات السياسية الحاكمة والتي يكفر بها المواطن بوطنه:

أولًا: هدم الإنسان

عندما تحكم العصابة السياسية الوطن فإنها تحكم بالحديد والنار، وتشيد السجون والمعتقلات، وتهدم إنسانية المواطن وكرامته وحريته، وتشيد صروحًا في نفوس المواطنين مثل الخوف والنفاق والتملق والتزلف وكل دروب العهر الاجتماعي والسياسي.

ثانيًا: خيانة العصابة السياسية للوطن

العصابة السياسية التي تحكم وطنًا لا تحافظ على ثرواته، ولا تدافع عن حدوده وأرضه ولا حتى عرضه، بل تفرط في ثروات الوطن وأرضه للدول الأخرى الأقوى أو التي أتت بالعصابة السياسية للحكم رغم أنف المواطنين.

ثالثًا: لا يحاربون الأعداء

العصابات سياسية التي استولت على حكم البلاد لا تحارب الأعداء الحقيقيين للوطن، إنما يحاربون المعارضين وأبناء الوطن الذين لديهم وعي جيد بحقيقة العصابة السياسية التي تحكمت في البلاد!

ولا نندهش حينما وجدنا الرئيس السوري بشار الأسد، أباد أكثر من مليون سوري وهجر أكثر من أربعة ملايين في سبيل القضاء على الثورة التي اندلعت في 15 مارس (آذار) 2011 لكي يحافظ على كرسي السلطة.

فهل لهذا السفاح شرعية كي يستمر في سدة الحكم بعد هذه الدماء التي أهدرت والأرواح التي أزهقت بالسلاح الكيماوي الذي يأكل الأخضر واليابس وكل شيء، وبالبراميل المتفجرة فوق المدن والرؤوس؟!

وبعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وحتى الآن، لم نجد بشار ولا والده حافظ الأسد، الذي حكم سوريا بين (22/2/1971 – 10/6/2000) أطلقا رصاصة واحدة لتحرير هضبة الجولان المحتلة.

وتأمل في العصابة السياسية على غرار مليشيات الحوثي التي تحكم شمال اليمن، وهي ما برحت تعلن أن الموت لإسرائيل وأمريكا، وفي الوقت ذاته، لم تطلق صاروخاً واحدًا على إسرائيل ولا على السفن الأمريكية في خليج عدن ولن تطلق؛ وقِس على ذلك نظام الملالي الذي يحكم إيران والذي يعلن ليلاً ونهارًا شعارات الحوثيين الجوفاء ضد إسرائيل وأمريكا ولم ولن يطبقها.

والحرب دائرة الآن على أرض اليمن منذ عام 2015 ولا تدور رحاها على أرض دول التحالف، والشعب اليمني يعاني من ويلات الحرب والكوليرا والجوع، ومع ذلك لا يهم الحوثيون أن يُدمر الشعب اليمني بأكمله طالما هم على سدة الحكم ويمتلكون ثروات البلاد إن وجدت ثروات.

رابعًا: رفاهية العصابة السياسية على حساب الشعب

النظم السياسية التي لها ظهير شعبي وأتت بانتخابات حرة نزيهة، تسعى بكل جهد لرفاهية الشعب الذي أتى بها لسدة الحكم، وتجَّود التعليم والصحة والاقتصاد وكل شيء في سبيل رفاهية الشعب وتقدمه وازدهاره.

أما العصابة السياسية فهي تسعى بكل جهد أيضًا لرفاهية أفراد الطبقة الحاكمة مثل بناء القصور الرئاسية أو الملكية، والاستحواذ على ثروات الوطن لحسابها في بنوك سويسرا وأخواتها، وبناء مستشفيات (خمسة نجوم)، وقرى ومنتجعات سياحية ونوادٍ محرم على الشعب دخولها أو حتى الاقتراب منها.

أما الشعب فليس له سوى الفتات من ثروات الوطن؛ وطبعا من المتوقع أن يكون التعليم والصحة والاقتصاد والبنية الأساسية للدولة وكل شيء في الحضيض لأن العصابة السياسية قد أتت بالدبابة لحكم الشعب؛ وبالتالي لا تجعل هذه الطبقة الحاكمة الشعب أمام أعينها لرفاهيته، إنما لإذلاله وتجويعه وسحقه (جَّوعْ شعباً لتذله). وخلاصة القول أن العصابة السياسية ترى أن المواطن هو أرخص شيء في الوطن.

خامسًا: تكريس الطبقية

العصابات السياسية تفرق بين الشعب لإضعافه لتحكم أكبر وقت ممكن، وتكرس الطبقية مثل (أبناء عمال النظافة مُحرم عليهم العمل بالقضاء)، وتشيد مجتمعات مُحرم على الشعب الاقتراب منها.

سادسًا: تكريس الطائفية

ومن صور حكم العصابة السياسية تفريق الشعب بكل وسيلة (نحن شعب وأنتم شعب، لنا رب ولكم رب)، وتكريس الطائفية بكل صورها البغيضة والممزقة لِلُحْمَة الشعب ووحدته، وحتى إلصاق الشعب بدور العبادة وليس بالدولة حتى تتحول الأولى إلى المحصن الآمن للمواطن بدلًا من الدولة الكبيرة؛ فدور العبادة هي دولته الحقيقية؛ وانظر إلى الأقباط في مصر، تجد أن ارتباطهم بالكنيسة أكثر من ارتباطهم بالدولة المصرية؛ لذلك يطلقون على أنفسهم “شعب الكنيسة” و”شعب البابا”.

سابعًا: تفتيت الدولة إلى كانتونات ومقاطعات

ومن صور تفريق الشعب، تفتيت الدولة الكبيرة إلى مقاطعات صغيرة، وعزل المحافظات عن بعضها، وتكريس ارتباط المواطن بمحافظته المحلية وليس بالدولة كلها؛ فهذا شعب المحافظة (ﺃ) وذاك شعب المحافظة (ب)، وذلك شعب المحافظة (ﺟ) وهكذا دواليك حتى يتعذر على المواطن إلى الوصول لمحافظات أخرى بسهولة (سيناء الآن خير مثال).

ثامنًا: تزييف وإفساد الوعي

تقوم العصابات السياسية بتزييف وإفساد وعي الشعب حتى تحكم أكبر وقت ممكن لكي تمص ثروات البلاد وتمتلئ كروش الحاكمين بخيرات البلاد، وأكبر وسيلة لذلك هي الإعلام الفاسد الذي ما فتئ يحول الهزائم إلى انتصارات والمفاسد إلى مصالح والحق إلى باطل؛ فهم “سحرة فرعون” في كل العصور.

تاسعًا: إلهاء الشعب

العصابة السياسية وغيرها من النظم السلطوية والديكتاتورية تسعى بكل جهد لكي تلهي الشعب عن حقيقة ما يجري في الدولة من نهب وسرقة وفساد سياسي وإداري؛ لذلك لا نندهش حينما نجد فرقعة إعلامية كل حين مثل فستان الممثلة الفلانية الفاضح والمُتعّمَد ارتداءه أصلًا لكي ينشغل الناس لمدة معينة بالحديث عنه وتتسابق مواقع التواصل الاجتماعي في تداوله عل نطاق واسع، ولا تأخذنا الدهشة أيضًا حينما نجد شخصية معروفة لا يتحدث إلا بالسباب للمعارضين أو المخالفين معه بالرأي بأسلوب “الفرقعة الإعلامية”، ويخرج لنا كل حين بـCD ويهدد بفضح الشخصيات المعارضة له ويمكن أن يهدد الشعب كله بأقراصه الممغنطة!

عاشرًا: تأييس المواطن من التغيير

إذا وجدت ثمة انتخابات في البلدان التي تحكمها عصابات، فإنها شكلية، وتُزور لصالح العصبة الحاكمة، وحتى إن وجدت ثمة دساتير أو حكومات أو مجالس الشعب أو شيوخ وكل أشكال الحكم، فليس لها مضمون حقيقي ولا تعمل إلا لتكريس وتثبيت وإرساء الحكم للعصابة الحاكمة.

ومن العجيب أنها تدعي الديمقراطية أحيانًا لتتجمل، ولكنها ديمقراطية ذات أنياب، وأنظر إلى مقولة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حينما قال “إن للديمقراطية أنياب أشرس من الديكتاتورية”؛ وإذا كانت للديمقراطية (أنياب) أشرس من الديكتاتورية الفظيعة، فما هو الحال إن انبثق لها ضروس طاحنة؟!

وأنظر إلى كل مجالس الشعب المنتخبة منذ 23 يوليو (تموز) 1952 في مصر هل أتت بحزب معارض يحكم؟! ونستثني أحداث ما بعد ثورة يناير 2011.

وهذا مما جعل المواطن ينأى بنفسه عن المشاركة في الانتخابات؛ لأنه يعلم يقينًا أنها ليست انتخابات حقيقية وتُزور لصالح العصابة الحاكمة.

المواطن في الدول التي تحكمها عصابات سياسية يشعر يقينًا أن الوطن ليس له إنما للحاكمين الغاصبين، وثروات الوطن ليست له إنما للطغمة الحاكمة، ويجوس الخوف والرعب خلال نفسه من الاعتقال العشوائي والممنهج وما يصاحب ذلك من التعذيب البشع، ولا يشعر بأي ثمة كرامة أو قيمة له في وطنه؛ وبالتالي ليس له سوى الهجرة إلى البلدان التي تحافظ على كرامته وإنسانيته هذا إن استطاع الهجرة، أو الصراخ للدول الكبرى لتحتل وطنه بدلًا من أبناء وطنه الذين استولوا على الوطن في غفلة من الزمن؛ وانظر إلى توقيع الآلاف من المواطنين اللبنانيين لجعل فرنسا تعيد احتلال لبنان الجريح بعد تفجر مرفأ بيروت في الأربعاء 5 أغسطس الماضي، أما من لم يستطع الهجرة فليس له سوى نفاق العصابة الحاكمة، أو أن يتحول إلى الإرهاب، أو الانتحار، أو الكبت حتى يصل إلى الجنون.

اقرأ أيضًا: فيلم «أنا الماعز الأليف»: العالم على موعد مع فصول الظلام والرعب

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمود خليفة

طبيب وكاتب مصري، وله رواية "أرض الجمل" وبعض القصص القصيرة والمقالات السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق