مدونات

لقد هرمنا!

متطلبات الحياة اللامتناهية، وسرعة مضي الوقت كالبرق جعلت الكل يكبر بنفس السرعة التي يمضيها الزمن، ولكن هذا المرور الخاطف لا يمر مرور الكرام للأسف، بل يغير ملامح ما حولنا ليترك بصمته بداخلنا.

الحقيقة أننا نتناسى الواجب، فنتحامق فنُهمل الجانب الحياتي الأجمل؛ وهو توطيد العلاقات الأسرية وتقوية صلة الرحم فيما بيننا، وهذا بسبب جبروت المصالح التي أخذت هذا المكان واهتمت بتخريب ذلك الوصال الوجداني والعاطفي بين الناس.

للأسف أصبح الكل يسعى لتقوية عضلات الأنا، والكل يرى نفسه على صواب، أما العزة بالإثم هي تلك الحجة اللاواعية للابتعاد للاهتمام بتوسيع دائرة الغيظ والأحقاد لأسباب تافهة لا تجمل حقيقتنا بقدر ما تجعلنا ننتبه أننا كبرنا وكبر تمرّدنا وتواقحنا على بعضنا البعض لأتفه الاسباب، أو بالأحرى صرنا نبحث عن الحجج للابتعاد لنتفادى اللوم والعتاب.

علينا بين الفينة والأخرى أن نتذكر الماضي الجميل ومواقفه، ونتجول في طفولتنا لكي لا ننسى من نكون، ألا ننسى أحلامنا معًا واحتياجنا لبعضنا البعض، ألا ننسى أننا كنا نتسارع للإيثار بحمق الطفولة البريئة بحكم النفوس الطيبة والنوايا الحسنة الصادقة. كانت يومًا اليد واحدة والروح تحتضن الروح، لم تكن هناك ضغينة ولا حسابات سوداء، كنا نجول في النقاء والبياض يرسم صفحات حياتنا. كان الكل يعرف مقدار نفسه، الكل يعرف الحدود التي يقف عندها، كانت كلمة ”عيب” لا أحد يدنو منها وكأنها بمثابة الكفر. الآن وكأن كلمة ”عيب” باتت كلمة رومانسية حقًا، فعندما تقول عيب لا يصح هذا وكأنك قلت هل من مزيد؟ وكأن تلك المقولة ”إذا لم تستحِ فافعل ماشئت” أعطت لهم حرية مطلقة لا تعترف لا بالأخلاق ولا باللباقة، وكأن كل الخصال الجميلة أصبحت على مقولتهم ”ديمودي” وكلمة “نورمال” جواز سفر لفعل أي شيء.

لقد كبرنا وكبرت مسئوليتنا تجاه بعضنا البعض، فعندما ترى أحد الأخوة قد سقته الحياة فقرًا وذلًا وسقت الآخر مالًا وجاهًا دون أن يمد يده لإنقاذ أخيه نقول لقد كبرنا. عندما يُحرق الاشتياق قلب الأم لرؤية ابنها الذي هجرها بالأشهر وحتى بالسنوات بحجة الانشغال نقول قد كبرنا. عندما نبني مصالحنا على حساب تعاسة بعضنا البعض نقول لقد كبرنا. وحين نستغل مقربينا ونستعملهم كسلالم لنرضي طموحنا الأناني نقول لقد كبرنا، فلنكبر ولنكبر ولكن لا نكبر ونتكبر على من كانت روحه فداءً لنا يومًا.

لا يزال هناك وقت للإصلاح فلا تفسدوا ما تبقى.. العمر خاطف محتال، ربما ستفوز بكل ملذات الحياة ولكنك ستخسر ضمة أم، ستخسر دعوات رضا من أبٍ ضحى وعاش لأجلك، ستخسر نفسك حين يرحل الجميع. كل شيء فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. لذا لا تظلموا فالظلم ظلمات يوم القيامة.

ساعدوا بعضكم البعض، تعاونوا، اتركوا المحبة بينكم خالدة، انثروا حياة الطفولة من جديد وتذكروا أحباءكم، تجملوا ببراءة الصغر ولاتتركوا الدخلاء يفسدون ترابطكم، حاولوا أن تمضوا معًا وحاولوا الإصلاح.

لاتتركوا الكفة على أحدكم فيتمكن العجز منه، لا تتركوا العتاب يزوركم مجدّدًا حين يأتي أول لقاء بينكم بعد غياب طويل مشبع بلوم وغيظ وحقد ليستنطقنا الزمان بعبارة.. لقد هرمنا.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق