مدونات

لقائي مع إليسا…الحلم

كنت أرتقي درجات السلم في أحد المباني، حين رأيتها تهبط بهدوء وسكينة، كانت ترتدي ثوبا طويلا بلا أكمام، مفتوح الصدر، ذا لون فاتح خليطا بين الوردي الخفيف والذهبي، كان لونا يناسبها حقا، وقد بدت لي أصغر سنا، مررنا ببعضنا أنا أصعد، وهي تنزل، لم ترفع رأسها أو يبد عليها أي رد فعل يظهر أنها انتبهت لوجودي أصلا.

لم أكن يوما من عشاقها، وخبر اعتزالها الذي أعلنته منذ أسابيع، لم يعن لي الكثير، ولكنه ظل يخزني كشوكة صغيرة عالقة بين ثنايا ثيابي، لذا قبل أن تتجاوزني استدرت وأصبحت بمحاذاتها، ففي النهاية إنها فرصة ذهبية، فلا أحد كان يرافقها، أيعقل أنها تخلت عن كل بهرجة النجومية بكل هذه البساطة، بادرتها بسرعة وهدوء ولكن بصدق: تبدين حزينة، إليسا.

فاجأت نفسي حقا وأنا أكلمها وكأني أعرفها، ولكن ما كنت أعرفه حينها أن طاقة هائلة من الحزن كانت تنبعث منها، وليس من طبعي أن أخلف أحدا حزينا ورائي وأنجو بنفسي، لم تتوقف بل واصلت سيرها، أدهشني رد فعلها، فهي لم ترتبك أو تغضب حتى، وهذا ما أربكني أنا، فلم أتبين جوابها لذا أظنها قالت: أجل أنا كذلك.

لا أعرف السبب ولكني قررت ألا أتخلى عنها، فها هي رغم كل ما يقال عنها تقف أمامي، امرأة عادية جدا، انتهت الدرجات التي كنا ننزلها، وزادت معها ثقتي بنفسي، وتأكدت أنها لن تطردني، مشينا بدون وجهة محددة لي على الأقل، فقد كنت أتبعها، وقررت أن أخبرها القليل عني، فقلت: أنا في الحقيقة من فانز نجوى، وأردت أن أضيف وفيروز، لكن شيئا يشبه غريزة الصحفي أخبرني أن هذا كاف، ذكر فيروز لن يحدث فرقا.

بالفعل ابتعدت عني الفنانة وكأنها تراني للمرة الأولى، ورأيتها تنظر إليّ من أعلى إلى أسفل وهي تصطنع رعدة، ولمحت إن كان تفسيري صحيحا تكشيرة انزعاج صغيرة تكسو محياها، وسرعان ما عادت لوضعيتها، بينما ملأني شيء من الإحراج، إذ كنت أعي رحى الحرب الدائرة بين معجبي النجمتين، فبادرتها بلهجة دفاعية: لا، لست ذلك النوع من الفانز، ولكن حقا ما سر النفور بينكما.

قبل أن تفتح فمها لترد أخذت وقتا قليلا لتفكر، لم تكن هذه التفاصيل الصغيرة لتخفى على عين الكتابة في داخلي، فقد كنت أشبه بالكاميرا، قد أركز على شيء محدد، ولكني ألتقط جميع العناصر في الصورة، انتظرت جوابها، ولكن فجأة اجتاحتنا موجة من البشر، لا أعرف من أين أتوا، كانوا مسرعين نحو وجهاتهم التي يبدو أنها تمر بنا، وفي هذا الزخم أضعتها، وقفت تائهة أبحث عنها متسائلة، هل سأجدها، أم أنها ستستغل الفرصة لتتخلص من تطفلي عليها، خف الزحام حولي فواصلت طريقي، وفجأة لمحتها جالسة على أحد المقاعد، أسرعت وجلست قربها، كانت تقرأ شيئا، انتبهت أنه كتاب وكان شكله مضحكا، وقد عرفت الكتاب، وسألتها عنه، فقدمته لي، لم أصدق وأنا أمسكه بيدي، كان أبشع كتاب لمسته في حياتي، كيف لنجمة بمستوى هذه المرأة أن تصدر، بل أن تسمح بصدور كتاب يروي سيرتها، ثم يكون بهذا الشكل القبيح، دعوني أصفه لتفهموا قصدي، كان طوله يقارب حجم ورقةA4 ذو غلاف كرتوني، مصمم بطريقة لا تنتمي إلى أي ذوق بصفة، وإن كانت إحدى قواعد التصميم الجرافيكي تقول أنه لا يوجد تصميم قبيح وآخر جميل، بل يوجد تصميم جيد وتصميم سيء، أستطيع القول بثقة أن هذا التصميم قد كسر كل القواعد، كان عرضه بحجم هاتف ذكي، لتتضح لكم الرؤية، ليتني تمكنت من أخذ القياسات لأكون أكثر دقة(ربما كان هذا هو ما سبب لها الحزن) بقية الكارثة أنه كان ثمة فراغ أبيض كبير في الأعلى يوحي أنها مساحة زائدة تم نسيان استئصالها في المطبعة! وأخيرا تظهر صورة جميلة لها مكسوة بثوب حريري أحمر داكن بخلفية من نفس الحرير المتماوج، وقد كتب العنوان فوق رأسها قليلا على خلفية شرطة فرشاة، أخذتني أفكاري بعيدا حتى صارت الرؤية ضبابية، فلم أتمكن حتى من قراءة العنوان، وفي تلك اللحظة كنت أفكر أن هذا المخطوط هو كارثة، وحين أمسكت الكتاب بيدي تهدلت أوراق الجزء العلوي.

نظرت إليّ المسكينة ذاهلة، وتشكل لدي انطباع أنها لم تكن تأبه أبدا للأمر، فقلت موضحة: هذا تصميم عبثي، انظري وأشرت الى الجزء العلوي وواصلت، كان من الممكن التخلي عن هذا الجزء، وبالتالي يصبح الكتاب كتاب جيب، صدقيني، سيكون صغيرا، ولكن كان سيبدو رائعا.

فتحت الكتاب لأتصفحه، وإذ بي أجد صفحاته تتحول إلى الحجم الطبيعي، فأعدته إليها وأنا أصيح: انظري، لقد كبرت الصفحات فجأة أقسم لك، مثل هذا الكراس، وأشرت إلى كراس كنت أضعه أمامي، لمعت عيناها، وقبل أن أخبرها أني أقصد أني تخيلت الأمر، فتحت الكتاب أمامي وراحت تحاول فتح صفحاته، كما لو كانت مطوية على نفسها بذلك الشكل عمدا لتبدو أقل عرضا، ولتزداد دهشتي، كان ذلك ما حدث بالضبط، وفتحت الصفحة بأناقة، وكأنها تسحب منديلا ورقيا من علبته، أبهرتني الخدعة ونسيت قبح الغلاف، فأقبلت أنظر معها ما كتب على الصفحة المصقولة، كانت تتوسطها عقدة هدية، أو ربما زهرة، وحولها تبعثرت الكتابة، خطر لي أنها صفحة إعلانية، كتلك التي تتضمنها بعض المجلات الكبيرة، في الحقيقة راقت لي الفكرة، أخيرا شيء يدل على الاحتراف في هذا الكتاب، رغم هذه اللمسة الخارقة، إلا أن تنسيق بقيته كان بشعا، وقد كان رأيي حاسما، هذا الكتاب لابد أن يعاد تشكيله من الصفر. وقررت عدم خوض الموضوع معها مجددا.

واصلنا مشينا، وأعتقد أننا ركضنا بروح طفولية، ما كان واضحا لي أنها شخص حساس، وأنها أخفت ذلك كثيرا، فلم تعد تريد سوى العيش على طبيعتها، وكنت مسرورة أني لم أحكم عليها يوما.

فجأة وجدنا أنفسنا في اجتماع مدرسي، فعرفت أن الأمور بدأت تصبح مملة، وتخرج عن السيطرة، ربما تعرفون هذه المرحلة، أنا شخصيا خبيرة بها، هذا يعني أن مستوى وعيكم قد ارتفع وأنكم على استعداد لمغادرة أرض الأحلام، ومهما لقنتم أنفسكم بعض الأحداث لمواصلة الحلم اللذيذ، فستنسون غالبا كل حدث أضافه وعيكم، لأن الحلم أجمل وأنتم نائمون.

ما الذي قذف إليسا إلى حلمي، لا أهتم حقا، ومرحب بها لتعود وقتما شاءت، إذ أني أشكرها على الرحلة الجميلة التي أوحت لي الكثير من الأفكار، وأتاحت لي تدوين الكثير من الحروف، فمثل هذه الأحلام تعد بالنسبة لي تدريبا رائعا على التأليف.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ماريا محمد

كاتبة ومعلقة صوتية، أهوى التصميم الجرافيكي والتصوير الفتوغرافي بالجوال، عملت مدققة لغوية مع دار عصير الكتب، وصانعة محتوى مرئي للفيسبوك لشركة خاصة اعدادا واخراجا وتعليقا، كما كانت لي تجربة سابقة في الاعداد الاذاعي لراديو باند وهي اذاعة عبر الانترنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق