سياسة وتاريخ

لفهم قضية جورج فلويد.. الحاجة للعودة إلى فكر رونالد دوركين

لفهم وتفسير أسباب تجذر العنصرية تجاه السود في المجتمع الأمريكي وبعض مؤسسات الدولة وفي ممارسات المكلفين بإنفاذ القانون، رغم مرور أزيد من نصف قرن على وضع معايير وقواعد قانونية تحظر التمييز، لابد من العودة لإرث رونالد دوركين وهو واحد من أهم فلاسفة القانون وحقوق الإنسان، والذي لاقت كتاباته نجاحًا مهمًا خصوصًا في البلدان الأنجلوساكسونية.

وكشفت قضية مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد، في 25 مايو الماضي، على يد عناصر من قوات الشرطة بمدينة مينابوليس الأمريكية، عن استمرار وتجذر ممارسات التمييز العنصري الذي تعانيه الأقليات بصفة عامة والسود من أصول أفريقية على وجه الخصوص بهذا البلد.

ورغم إقرار حزمة إصلاحات قانونية مناهضة للتمييز بالولايات المتحدة الأمريكية، كقانون حظر التمييز فيما يخص التشغيل الذي يعود لسنة 1964، وقانون حماية حقوق الأقليات في الانتخابات لسنة 1965، لاتزال العنصرية تعمل ضد مصالح السود وحقوقهم الأساسية في الحياة والكرامة الإنسانية والصحة والتعليم.

وعلاوةً على حالات القتل التي تتعرض لها الفئات ذات البشرة السوداء، سواء من طرف الشرطة أو مدنيين، يتم الحكم على الأمريكيين من أصول إفريقية بمدد سجن أعلى، ويحظون بأجور أقل في العمل، ورعاية صحية أدنى، مقارنةً مع باقي الأمريكيين.

ويؤكد التمييز العنصري بالولايات المتحدة الأمريكية، بحسب دوركين، على عجز القانون الوضعي والمعياري رغم أهميته في اجتثات العنصرية المؤسسية العميقة المتجذرة في المجتمع وفي مؤسسات الدولة لأسباب مختلفة ومتداخلة؛ أهمها ما اتضح جليًا في الشعارات المرفوعة في احتجاجات الشارع الأمريكي على مقتل المواطن الأمريكي ذو البشرة السمراء جورج فلويد، التي ركزت على قيمة العدالة، وتطبيع إجراءات تنفيذ القانون والممارسة القضائية مع هذا الارث العنصري.

وشددت على تلك الشعارات، تقارير لجنة القضاء على التمييز العنصري، بشأن التزام الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، خصوصًا التقرير الأخير لسنة 2014 الذي عبر عن قلق اللجنة إزاء استمرار ممارسات التنميط العرقي تجاه الأقليات العرقية أو الإثنية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون على الصعيد الاتحادي وعلى مستوى الولايات والمستوى المحلي.

وأشار التقرير، إلى أن الأمريكيين من أصل أفريقي “مازالوا يتعرضون بصورة غير متناسبة للقبض عليهم واحتجازهم وإنزال عقوبات أشد بحقهم، بما في ذلك السجن مدى الحياة وعقوبة الإعدام”، وأن “الارتفاع الكبير في نسبة أفراد الأقليات العرقية والإثنية في نظام العدالة الجنائية يتفاقم بسبب استخدام السلطة التقديرية في الملاحقات القضائية”. داعيًا إلى “اتخاذ تدابير ملموسة وفعالة للقضاء على أوجه التفاوت العنصري في جميع مراحل نظام العدالة الجنائية، وتعديل القوانين والسياسات التي تنجم عنها آثار عنصرية متباينة في نظام العدالة الجنائية على الصعيد الاتحادي وصعيد الولايات والصعيد المحلي”.

وهنا تتبين أهمية إعادة النظر في العقل القانوني الأمريكي المتمحور حول متن التشريعات القانونية وفي النواحي الإجرائية والأحكام القضائية. وهو بالضبط ما اهتم به رونالد دوركاين في نظريته حول الحقوق.

ويدافع رونالد دوركين في أعماله الشهيرة، مثل: “أخذ الحقوق على محمل الجد” Taking rights seriously) 1977)، و”سؤال المبدأ” A matter of principle) 1985)، و”إمبراطورية القانون” Law’s Empire) 1986)، عن أطروحة أساسية مفادها أولوية الحقوق الطبيعية للأفراد على القواعد المعيارية المنصوص عليها في القانون.

ويرى دوركين أن القانون لا يمكن اختزاله في مجرد نسق من القواعد، فالقانون أيضًا مبادئ وقيم. وهو ما يعني أن على المشرع والقضاة والمحامين أن ينظروا لحق الأفراد في المساواة والعدالة والحياة كحقوق قانونية حتى في حالة عدم وجود تشريعات تنص عليها وتحميها، وحتى في حالة ما إذا كانت لا تعبر عن رضا الأغلبية.

لذلك، انتقد رونالد دوركين السلطة التقديرية للقضاة، ودعا القضاة للانتصار للحقوق الفردية وليس لاعتبارات المصلحة والمنفعة العامة. ومن شأن هذه النظرية أن تنقذ ما تبقى من الحقوق الإنسانية التي انتهكتها سياسات العنصرية بأمريكا وأوروبا.

وكلما استوعب المشرعون ومنفذو القانون والقضاة أن ما يجب أن يحدد التزاماتهم ليس فقط المعايير والقواعد القانونية الوضعية، بل كذلك الحقوق الإنسانية للأفراد وأهمها؛ الحق في الحياة والعدل والمساواة، ستظل هذه النصوص القانونية رغم أهميتها تجسيداً لمظالم فادحة.

توفي دوركين سنة 2013، ولو كتب له الحياة إلى اليوم لكان أول المتقدمين للاحتجاجات الشعبية التي تعرفها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا حاملةً شعار “حياة السود مهمة” لأن هذا الأخير يجسد باختصار خلاصة ما دافع عنه رونالد دوركين في كتاباته؛ وهو أن على الحكومات أن تتقيد في سياساتها وإجراءاتها بمبادئ أخلاقية أكثر أهمية وجوهرية من كل القواعد القانونية الوضعية، في مقدمتها مبدأ الكرامة الإنسانية والحق في الحياة كحق طبيعي وأصيل لكل إنسان لا يجب انتهاكه، بغض النظر عما ينص عليه القانون.

اقرأ أيضًا: «لدي حلم».. كلماتٌ صدعت قديمًا في سماء أمريكا وتتردد الآن

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

يحيى الوزكاني

باحث في قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق