مدونات

لغة الروح وتَراجِمُ الصُّوَر

في علم اللسانيات الحديث يرى العالم السويسري ( فرديناند دوسوسور) في كتابه ( محاضرات في اللسانيات العامة) أن العلامةَ اللسانية بُنيةٌ مُتشكّلة من جزأين لا ينفصلان الأول هو الدّالّ وهو الأصوات التي تُكوِّن جسم العلامة والثاني هو المدلول وهو المعنى الذي يُكوّن روحَ العلامة. أما عن العلاقة التي تربط بين الدالّ والمدلول فهي علاقة اعتباطيّة أي ليس هناك علاقة طبيعية بين اللفظ ومعناه في أية لغة وإنما هي علاقة اصطلاح تواضَعَ عليها مجتمعٌ من الناس. وقد شبَّهَ دوسوسور اللغةَ بلعبة الشطرنج فيمكن استبدال قطعة الملك على سبيل المثال بقطعة نقدية – على أن تؤدي الوظيفة ذاتها – دون أن يؤثر ذلك في قواعد اللعبة.

وربما لا يبتعد دوسوسور عن عبد القاهر الجرجاني في نظريته ( النظم) قال الجرجاني في كتابه ( دلائل الإعجاز) ( نظم الحروف هو تواليها في النُّطق وليس نظمها بمقتضى عن معنىً ولا الناظم لها بمقتَفٍ في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرّى في نظمه لها ما تحرّاه فلو أن واضع اللغة كان قد قال ( ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد)

الشيء الذي قاله دوسوسور عن اعتباطية اللغة كان أكّد عليه الجُرجانيّ قبله بقرون .

هذه هي حدود اللغة الإنسانية…المدلولات واحدة و الدوالّ عليها أكثر من أن تُحصى فكم كلمة في لغات العالم تدل على معنى( القلم ) مثلا ؟ ناهيك عن المرادفات ضمن اللغة الواحدة.

هل يمكن أن تكون هناك لغةٌ غير منطوقةٍ ولا مكتوبة وفي الوقت ذاته مفهومة ؟؟!

لنفترض أنّ شخصاً واحداً من أهلِ كلِّ لغةٍ من لغات الأرض رأوا جميعهم في منامهم رؤيا واحدة في يوم عيد عالمي ولتكن هذه الرؤيا رجلاً يقول لهم (مبارَكٌ عيدكم)

استيقظَ الجميعُ فقال كلٌّ منهم بلُغتهِ رأيتُ رجلا في منامي وقال لي(مبارك عيدكم)

ولكن أجسادهم في النوم كانت هامدةً وحواسُّهم مُغَيَّبَةً…فمن أين وصلت هذه اللغة إليهم وهي أساسا لم ينطقها لسانٌ ولم تسمعها أذن ولم يكتبها قلمٌ ولم ترَها عينٌ؟  ثانيًا هل نستطيع أن نقول إن لغة الرؤيا عربية أو فارسية أو إنكليزية أو غير ذلك؟ ثالثا الرؤيا واحدة فهل نَقْلُ كلِّ واحدٍ منهم لِما رآه بِلُغته يدخل في باب الترجمة أم لا؟ وقولنا ترجمة يدل على أن ثمة لغة بالفعل وتحتاج إلى ترجمة كي تُفهم.

هذه اللغة هي لغة الروح الواحدة، وكل قوم على الأرض هم تَراجِمُ لها فحسب.

بهذه اللغة الروحية تكلم الأنبياء ونزلت الكتب السماوية….القرآن تحدَّثَ عن خمسة وعشرين نبيّاً وذكر قَصَصَهم بشيء من التفصيل ولكن هؤلاء الأنبياء كانوا يتكلمون بألسنة أقوامهم وهي ألسنةٌ مختلفةٌ والقرآن عندما يقول مثلا( قال عيسى ابن مريم اللهم أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خير الرازقين) ١١٤ المائدة.ويقول ( وإذ قال موسى لقومه يا قومِ لمَ تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)٥ الصف ويقول ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات..) ١٢٦ البقرة ..ففي الحقيقة والواقع أنّ عيسى وموسى وإبراهيم كان لكلٍّ منهم لغةٌ غيرُ العربية. فهل نعتبر أن الله في هذه الآيات كان يترجم ما قاله هؤلاء الأنبياء إلى العربية؟! وأكثر من هذا عندما يقول القرآن (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ..)٣٠ البقرة . فهل يعني هذا أن الله خاطب الملائكة بهذه اللغة العربية وبالصورة التي ننطقها نحن تماما ؟ وعندما تقول الملائكة لله ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فهل الله والملائكة يتكلمون اللغة العربية الفصحى كما نعرفها نحن العرب؟

أيها الإخوة إن كلام اللهِ و الأنبياءِ والملائكةِ في حقيقته يُشبٍهُ إلى حَدٍّ بعيد كلمة الرجل ( مبارك عيدكم) في المَثَل الذي ضرَبتُه آنفا.

فقول الرجل لأهل كل لغة ( مبارك عيدكم) في الحقيقة لا هو عربي ولا غير عربي لأنه أصلا لا يمت إلى الحسيات بصلةٍ وليس له أصلٌ ماديٌّ لا في النطق ولا الكتابة وإن كانت له مَراجعُ من أخيلة عالَم الحسّ لا أكثر.

وأمّا كتُبُ الوحي وصُوَرُ الأنبياء التي وصَلَنا من خلالها كلامُ الله والملائكة والأنبياء فهي تشبه في المثل الذين رؤا الرؤيا الواحدة فعبّروا عن حقيقتها الواحدة كلٌّ بلغته ..

فلغة الروح الكلية والنفوس الجزئية التي هي امتداد نفختها. هذه اللغة بريئة من الحس أصلا ولكن عندما أوصَلَها الأنبياء بلغات أقوامهم ارتبطت بالحس وصارت منطوقة مكتوبة مسموعة.

اللغة التي تتكلم بها الأرواح هي لغة واحدة ليس فقط بين أهل الأرض. بل بين أهل الأرض والسماء

وأسمّيها مجازا لغة لأنها في الحقيقة لا منطوقة ولا مكتوبة ولا محسوسة ولا مفردات ولا قواعد نحوية لها والأهم من ذلك لا تفاضل بين من يتكلمون بها في الفصاحة والبلاغة والبيان .وليس بين أهلها من هو الخطيب المُفوَّه ومن هو العييّ الألكن إن أهل هذه اللغة على سويّة واحدة في استعمالها . بل إن نسبة الكلام إليهم كنسبة البصر إلى المبصرين عند من أعطاهم الله قوة بصرية واحدة…وليس معنى هذا تساوي الأرواح في درجة واحدة من العلم والمعرفة ..ولكن أقصد أن ما تريد الروحُ قولَه يتضح مجرّد أن تريد قولَه كما تتضح مشاهدُ الحسّ أمامَ عينين بَصيرتَين .

وأختم بهذه الأبيات:

لغةُ الروحِ وَحدةٌ وجميعُ

الخَلقِ في الأرضِ والسماءِ تَراجِمْ

واختلافُ اللّغات في الأرض آياتٌ

لأهلِ التّقوى وأهلِ المكارمْ

لغةُ الرّوحِ لا حروفَ ولا أصواتَ

فيها ..ولا بُنَىً ومَعاجمْ

وهْيَ مفهومةُ البيانِ ..وفيها

تتساوى مَلائكٌ و أوادِمْ

كَثُرَ الشّكُّ في الأنام وما المعصومُ

إلا الذي له اللهُ عاصِمْ

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى