ثقافة وفنون

لعنة “سيخميت”: الطاعون بين الميثولوجيا و العقل البشري

الى حين وقت كتابة هذه السطور، كان فيروس كورونا المستجد ” كوفيد – ١٩ ” قد عاث فسادا في هذا العالم بشكلٍ ربما لن يمكن إصلاحه ابداً.

لن ينسى أي شخص عاصر هذه الفترة الصعبة منظر الشوارع المقفرة و قد خلت من الزحام المعتاد، ولا صمت الحدائق والمجمعات التجارية و قد أضحت خاوية على عروشها الا من بعض الأرواح الشجاعة التي اقتضت متطلبات وظائفها ان تسهر و تضحي لحماية الناس من الامراض و المخاطر.. و من أنفسهم احيانا. اما بالنسبة لأولئك الذي اضطلعوا بواجب العناية بالمرَضى الذين وقعوا في براثن هذا الوحش المجهري، فجولة سريعة في قسم الطوارئ لهي كفيلة بأن تُظهر بوضوح كم هو قاسٍ فعلا فيروس ” كوفيد – ١٩”، فهو لا يفرق بين كبير و صغير، ولا يفاضل بين غني و فقير، الرجال و النساء امامه سيان، لا يعير احتراماً لشيبة رجل عجوز، ولا يتردد في مهاجمة صبية جميلة في مقتبل العمر. وصلت أذرع كوفيد – ١٩ الى كل مكان، فلا يغني عن المتعلم علمه، و لا تشفع للأمي سعادته و جهله. كبير جدا حجم المعاناة التي اُبتُلِيَت بها البشرية في عامها العشرين بعد الألفية الميلادية الثانية، و الذي يعد بامتياز واحداً من أسوأ أعوامها على الأطلاق. إلا ان الجائحة الحالية و رغم كل خسائرها البشرية والمالية، لا تعتبر أسوأ ما مر على البشر من قبل، وهذا مما لا يحتاج الى كثير نقاشٍ او جدال. فالتاريخ المروي و المكتوب يخبرنا عن طواعين عديدة مرت عبر التاريخ. بعضها كان مخيفا بقدر ما كان أثره قصير المدى مثل جائحة متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد “سارس “، و الذي يعد الأخ الأكبر و الأكثر شراً للفيروس المسبب للجائحة الحالية. اما البعض الاخر، فقد كان وبالا مدمرا اتى على الانفس والممتلكات في كل بقاع العالم واستمر على ذلك فترة طويلة، وهنا طبعا نتحدث عن الموت الأسود – ” الطاعون الدمّلي “- الذي اجتاح أوروبا والعالم في القرن الرابع عشر، مخلفا خسائر بشرية تقدر ما بين ٢٥ – ٣٠ مليون قتيل على الأقل. بالعودة الى أعماق ذاكرة التاريخ البشري، تعامل البشر عبر الزمن مع الأوبئة بطرق مختلفة، فبينما تسابق الشركات العالمية العملاقة الزمن لإيجاد لقاح يقي الناس شر ” كوفيد – ١٩ ” بعد ان أُشبع دراسة و بحثا و تمحيصا من أفضل الخبراء في العالم، لم يحظى اجدادنا بمثل هذه الرفاهية العلمية التي تستطيع توفير إجابات مقنعة بسهولة و يسر. كان الطاعون علامة من علامات غضب السماء و حنق الآلهة، او تجسيدا حسيا لأرواحٍ شريرة تملكت جسد المريض، و ربما دل على ضعف او تلوث في نفس المريض او عقله مما أدى به الى هذه النهاية المؤسفة. في السطور القليلة القادمة، سنحاول استعراض أبرز الأوبئة التي مرت على تاريخ الإنسانية، و سنسبر أعماق النفس البشرية في محاولاتها لإيجاد تفسير منطقي لهذه الأمراض، حيث سنرى الطرق المختلفة التي حاول من خلالها الانسان شرح ظواهر مرضية لم يستطع الطب في حينها تقديم تفسيرات مقنعة لها، و حيث ما تغيب المعرفة، تحضر الخرافة، و ليست هذه الأخيرة باقل شأنا او تأثيرا من قرينتها الأولى بطبيعة الحال.

ِمصر القديمة: الطواعين العشرة و غضب سيخميت

منذ زمن بعيد قضى طويلا، هناك في مصر، ارض النيل و الأهرامات، حدث المحدثون عن ” سيخميت “، آلهة الأنوثة و الحرب و الشفاء. اسم سيخميت اتى من مصطلح ” سخم “، والذي كان يعني في اللسان الفرعوني القديم القوة والإرادة، فكانت ” سيخميت “، المرأة القوية. تقول الأسطورة ان الاله ” رع “، إله الشمس، كان قد ضاق ذرعا من معاصي البشر الفانين و ميلهم للظلم و العدوان، فأرسل عليهم ” سيخميت ” نقمةً و غضباً لكي تعاقبهم و تستعيد التوازن في المجتمع. إلا ان ” سيخميت ” بالغت في انتقامها، و أوغلت في وحشيتها، فسالت الدماء و كَثُرَ الضحايا، و هنا ظهر مرة اخرى الاله الرحيم ” رع ” – بالطبع – لكي ينقذ البشر من هذا البلاء الشديد، فاحتال على ” سيخميت ” لكي تشرب سبعة الاف كوب من نبيذ الرمان الأحمر، فغطت هذه الأخيرة في نوم عميق، استفاقت بعده و قد ذهبت عنها نشوة الدم و القتل، وعاد السلام و الأمان الى بني البشر و قد تعلموا درسهم (١).

الألهة سخمت
الألهة سخمت

اما الروايات الأكثر واقعيةً، فقد وصفت تاريخا طويلا لأم الدنيا في مواجهة الأمراض والأوبئة، خاصةً في عهد أبنائها الفراعنة القدامى. واختلفت التفسيرات كذلك وفقا لعوامل متعددة. فعندما استعبد رمسيس الثاني * اليهود في مصر إبان فترة حكمه ما بين (١٢٧٩ – ١٢١٣) قبل الميلاد، كان عذابه لهم شديداً لا يطاق. استباح الفرعون الأقوى في تاريخ مصر القديم أموال وأعراض وحتى دماء اليهود في خضم احداث قصة قديمة معروفة للجميع. الروايات الدينية (مع بعض الاختلافات بينها) تروي عن ” عقوبات الهية ” احاقت بفرعون و شعبه نتيجةً لاضطهاده لليهود، و من بينها نذكر هنا الدمامل التي لم تكن تشفى و الرعاف اللذان لم يستطع الأطباء المصريون القدامى رغم امكانياتهم العلمية المتقدمة جدا إيجاد أي تفسير طبي لهما، و عوضا تم تفسير هذه الاعراض الطبية على انها عقاب من السماء بحق الفرعون الظالم لمنعه اليهود من مغادرة مصر. من المعروف ان الملاريا اجتاحت مصر القديمة، حيث تم التعرف على اثار طفيليات الملاريا في مومياوات تعود الى ٣٥٠٠ سنة قبل الميلاد، بل ان بعض النظريات – (والتي أيدها الدكتور زاهي حواس، كبير علماء الاثار المصريين و وزير الاثار المصري الأسبق) – ذهبت الى حد القول بان الملاريا كانت هي السبب في القضاء على الفرعون الصبي الشهير ” توت عنخ امون” (٢). لعل ذلك يفسر هوس المصريين بتناول الثوم و تواجده بكثرة في المقابر الفرعونية القديمة، حيث كان الكهنة المختصين بالتحنيط يعتقدون بفائدة الثوم في محاربة الملاريا.

* اختلفت الروايات حول هوية ” فرعون موسى ” بشدة، ليس هذا المقال بصدد تناول هذا الموضوع المثير للجدل. يفترض الكاتب هنا ان الفرعون المعني هو ” رعمسيس الثاني “.

أوروبا: الموت الأسود الذي كاد يقضي على البشرية

” كم من الرجال الشجعان والسيدات الفاضلات، تناولوا الإفطار مع عوائلهم … و في نفس الليلة تناولوا العشاء مع أسلافهم في العالم الاخر! ”

جيوفاني بوكاتشيو (١٣١٣ – ١٣٧٥) ميلادية.

خلال عمر كوكبنا الأزرق القصير نسبيا، والمقدر بحوالي (٤.٥) مليار سنة كانت هناك عدة حوادث فارقة صنعت التاريخ وغيرت وجه العالم. منذ اسْتَوطن الانسان المدن وبدأ في تشكيل النواة الأولية للمجتمع البشري متمثلة في القبيلة، مرورا باكتشاف النار واختراع العجلة وظهور الكهرباء. ممالك عظيمة ظهرت وانهارت. ديانات كبرى ولدت وأسست قواعد بشرية هائلة تضم المليارات من الأتباع المخلصين. تحارب البشر حتى أوشكوا ان يبيدوا بعضهم البعض.. مرتين، و لكن رغم كل هذه الاحداث الشديدة الأهمية، و رغم كمية الدماء و حجم الدمار الهائلين اللذان خلفتهما البشرية ورائها و هي تسعى جاهدا لتدمير نفسها، لا يمثل حدث محدد بعينه تجسيدا حقيقيا للموت و الدمار والرعب مثل طاعون الموت الأسود الذي اجتاح أوروبا و العالم في القرن الرابع العشر. كان الموت الأسود كارثة كبرى بكل المقاييس. و لعل سكان أوروبا بالذات في تلك الفترة، و بسبب غياب الوسائل العلمية و الإحصائية، لم يكونوا مدركين حقا لحجم التداعيات الفظيعة التي خلفها هذا الوباء المدمر. غدت المدن الأوروبية العريقة كفيينا و فلورنسا و باريس و لندن، تبدو كأنها ساحات حرب خاسرة. كانت وجوه الأصحاء من الناس كئيبة ومتجهمة. انتشرت رائحة الموت العفنة في الأزقة والطرقات، مذكرة الجميع بأن براثن المرض الخبيث قريبة منهم للغاية. تكدس الموتى في بيوتهم بعد ان عجزت الكنائس عن دفنهم. بل إن بعض الجثث التي دفنت في المقابر الجماعية المكتظة، نبشتها الكلاب ومزقتها (٣). لم تكن هناك بارقة أملٍ واحدةٍ في تلك الظروف الحزينة. انتشر الطاعون الدملي، والذي عرف اصطلاحا فيما بعد بالموت الأسود، في الفترة من (١٣٤٦ – ١٣٥٢) ميلادية. كانت بداية المرض قد ظهرت في الصين قبل ان تحمله السفن التجارية الى قلب أوروبا، مما يؤكد ان المرض الذي اجتاح أوروبا كان جزءا من انتشارٍ وبائيٍ أوسع كثيراً امتد الى شرق آسيا والشرق الأوسط. اما الجرثومة المسببة لهذا البلاء اللعين فاسمها ” يرسينيا بيستيس “، وهي جرثومة عادة ما تصيب الفئران السوداء المعتادة على العيش بين الناس. لا تصمد الفئران المصابة عادة أكثر من أسبوعين قبل ان تموت، لتنتقل البراغيث التي كانت تتغذى على دماء تلك الفئران الى أقرب مضيف متواجد في الجوار عادةً، وليس هذا إلا الانسان. عندما تتغذى البراغيث الناقلة للمرض على دم الإنسان، تقوم بنقل جرثومة ” يرسينيا بيستيس ” الى مجرى الدم، والتي بدورها لا تلبث ان تهاجم الغدد اللمفاوية مؤدية الى انتفاخ هذه الغدد، مما يُنتج الصورة النمطية للدمامل المتقيحة المرادفة لهذا المرض وتنتج الوفاة عادة بعد تفشي العدوى في الجسم مؤدية الى إنتان الدم و فشل الأعضاء الحيوية. لعب غياب المبادئ الأساسية للنظافة الشخصية وعدم معرفة كيفية انتقال العدوى دورا أساسيا في استمرار الوباء لفترة طويلة وتسببه بخسائر فادحة جدا في الانفس والممتلكات. كان تفسير الأطباء حينها (بملابسهم الأيقونية وأقنعة الغربان السوداء الشهيرة) ان العدوى تنتقل عن طريق تلوث يشوب الهواء، مما يفسر استخدام قدوراً لغلي الماء و ” تطهير الهواء من الغازات المسببة للمرض “. انتشرت بين عوام الناس اعتقادات ثابتة بأن الوباء حاق بهم كعقاب على هرطقتهم وآثامهم. فانبرى رجال الكنيسة ومندوبوها يعظون الناس و يحثونهم على التوبة. اما بين عوام الناس، فكان أسهل طريق لتحقيق خلاص المجتمع من هذا الوباء هو استهداف الأقليات و طردها من المدن مثل ما حدث مع اليهود عام (١٣٤٨ – ١٣٤٩) ميلادية في مدن تولون و بازل و برشلونة و غيرها من المدن، في مشهد مطابق تماما – و يا للسخرية – للتوجه السائد الان في لوم الفئات المستضعفة من المجتمع على انتشار ” كوفيد ١٩ ” (٤) انتشرت أيضا ظاهرة ” الجلادين “، و الذين دأبوا يتنقلون بين مختلف المدن و القرى، حيث يلبثون عشرين يوما و نيفا، يقيمون خلالها طقوسا دينية جماعية و التي يجلدون انفسهم فيها بشدة لكي يساعدوا الناس على التخلص من ذنوبهم وآثامهم ، قبل ان ينتقلوا الى مدينة جديدة و يعيدوا الكرة مرة أخرى (٥).

الطاعون بين الميثولوجيا و العقل البشري

الأزتيك: عندما يحاربك الاسبان و الثوار.. و الجُدري

لم يصدق الجنرال الاسباني الشهير ” هيرنان كورتيس ” (١٤٨٥ – ١٥٤٧) عينيه وهو يخطو أولى خطواته مستكشفا الأراضي العذراء الرائعة الجمال لخليج يوكاتان المكسيكي في مارس من العام ١٥١٩ ميلادية. شواطئ رملية دافئة بمياهٍ زرقاء صافية كأحجار الزفير الكريمة. غابات خضراء شديدة الكثافة و التنوع، كانت حتى ذلك الحين متمنعة على المستكشفين الاسبان و هم في خضم حملتهم لاحتلال العالم. جنان حالمة تخطف الانفاس ومناظر أخاذةٌ لم تفسدها يد الرجل الأبيض بعد. عرف عن كورتيس اعتزازه الشديد بنفسه وقدراته القيادية المتميزة والتي لم تخلو من تعطش للدم واستباحة للأموال والممتلكات، إلا ان الاحداث التي حصلت في العاميين التاليين لوصوله الى ما يعرف الان بالمكسيك و التي أدت الى نجاحه في اخضاع مملكة الازتيك للتاج الاسباني، تدلل و بشكل قوي على مدى قوة الدور الذي يمكن للأوبئة ان تلعبه في صناعة الاحداث و تغيير مجريات التاريخ. اكتشف كورتيس فور وصوله ان هناك بالفعل مملكة مزدهرة جدا للأزتيك يحكمها الملك “مونتيزوما الثاني“ ( ١٤٦٦ – ١٥٢٠ ). واكتشف أيضا ان هذه المملكة وهي في طريقها الى القمة كانت قد كونت الكثير من الأعداء المحليين والذين استغلهم كورتيس خير استغلال فجندهم و سخرهم لحرب بني جلدتهم من مملكة الازتيك القوية، سواء بفضته او بسيفه اذا لَزِم الأمر. وصل كورتيس بالفعل الى عاصمة الأزتيك الأسطورية ” تينوكتيتلان ” في نوفمبر من العام نفسه، لكنه لم يتوقع ابدا الاستقبال الحافل الذي كان بانتظاره من السكان المحليين، بل ومن الملك نفسه. والحق ان تينوكتيتلان كانت مدينة لا يراها المرء الا مرة واحدة في حياته كلها اذا كان محظوظا، حيث كانت مركزا عظيما للزراعة و التجارة. في كل حدب و صوب، تقابلك علامات الثراء الفاحش و المعمار المتميز، بأهرامها الشهيرة الملطخة بدماء القرابين البشرية و معابدها المطلية بالذهب. اما ما ساهم في زيادة سريالية الموقف كله بالنسبة لكورتيس و جنوده المتعبين فكان ان شعب الازتيك كان يؤمن بعودة واحدٍ من الهتهم القديمة و يدعى ” كويتزالكوتل”، و حيث ان هذا الاله كان معروفا ببشرته الفاتحة و ملامحه القوقازية، فقد امن الملك مونتيزوما أن كورتيس نفسه كان هو الإله الذي طال انتظار شعب الازتيك له (٦). استثمر كورتيس الموقف طبعا – بحنكته و سرعة بديهته – فكون علاقة قوية مع مضيفه الملك مونتيزوما. بحلول عام ١٥٢٠ م ، كان كورتيس قد اخذ الملك مونتيزوما و حاشيته كرهائن لديه ، و تطلع الى اخضاع العاصمة بسرعة و هدوء دون أي خسائر غير ضرورية. تمكن ابن اخ الملك مونتيزوما ، الأمير ” كاوتيموك ” ( ١٤٩٧ – ١٥٢٥ ) من تشكيل قوة مقاومة تمكنت من طرد الاسبان مؤقتا من العاصمة تينوكتيتلان عام ١٥٢٠ م. فقام كورتيس بحصار المدينة ، و هنا لعبت عدة عوامل دورا في سقوط هذه المدينة العظيمة. لم يكن كورتيس يملك التفوق العددي، لكنه بالتأكيد كان الأفضل تسليحا و تدريبا. لعب الثوار المحليون الذي ضاقوا ذرعا بجيرانهم الأقوياء من الازتيك دورا مهما في الحصار. لكن الجندي المجهول الذي حسم المعركة لصالح الاسبان حقا كان وباء الجدري (او الطاعون الأحمر) و الذي لم يكن للسكان المحليين أي مناعة تجاهه. الرواية الأرجح تقول بان أحد جنود كورتيس التقط العدوى من احدى سفن العبيد التي احضرها الاسبان معهم من كوبا. أدى مقتل هذا الجندي في المعارك، و سرقة ملابسه و أسلحته من قبل جنود الازتيك الى انتشار العدوى بشدة بين سكان العاصمة، حتى قيل بان الجدري لوحده قضى على أربعين في المائة من سكان تينوكتيتلان في أقل من عام. كان تأثير الجدري شديدا على سكان الازتيك من عدة نواحٍ. فبالإضافة الى المرض الشديد و الذي كان يفضي الى الموت في كثير من الاحيان، ضعف السكان عن متابعة محاصيلهم بسبب مرضهم او عنايتهم بذويهم، فانتشرت المجاعة و ضعفت مقاومة القوات للحصار الاسباني.

” لقد عاد مجددا! و سوف ينضم الينا في مملكتنا هذه، حيث سيلبس تاجه و يجلس تحت مظلته، فقد أخبرنا انه سيفعل ذلك قبل ان يغادرنا ”

” الملك مونتيزوما الثاني عندما سمع اوصاف هيرنان كورتيس ”

انتهى كل شيء في الثالث عشر من أغسطس عام ١٥٢١ ميلادية بسقوط تينوكتيتلان ودخول القوات الاسبانية بقيادة كورتيس اليها، مما أنهى عمليا عصر مملكة الازتيك. ربما يكون الحديث طويلا عن ملابسات وتبعات سقوط هذه الحضارة العظيمة، والذي يعد بحد ذاته كارثةً لا تقل في فداحتها عن كارثة المرض الخبيث الذي لعب دورا مهما في سقوطها، وذلك بغض النظر عن آراءنا حاليا في منظومتهم الروحية والدينية. الا ان العلم بالتأكيد يملك رأيا أكثر وضوحا بخصوص الجدري. يعتبر فيروس ” فاريولا ” هو المسبب لمرض الجدري، والذي ينتقل عادة عن طريق الهواء. تتراوح فترة حضانة الفيروس بين (٧ – ١٧) يوما، تظهر بعدها اعراض الزكام الشديد مترافقة مع آلام في الجسد والمفاصل. وبعد يومين او ثلاثة من ظهور الأعراض، يظهر الطفح الأحمر الشهير على الأطراف و الوجه و حتى الاغطية المخاطية (في بطانة الفم و العينين). تبدأ هذه البثور بعدها بالتقيح و تدمر الانسجة حولها، مؤدية الى الموت و العمى أحيانا. آمن الازتيك القدامى بأن غضب إله المرض ” كالكيهوتوتلين ” هو المسبب للأوبئة. و تفادوا غضبه عن طريق الهدايا و الأضاحي البشرية، في طقوس غاية في التوحش و الدموية ، ربما كما لم يعرف أي مكان اخر في العالم. لعل السماء كانت غاضبة فعلا على سكان مملكة الازتيك في النهاية.

الطاعون بين الميثولوجيا و العقل البشري

روما القديمة: و من الطواعين ما يقتل القياصرة و يُفني المُلك

قليلٌ من الاعمال الفنية ما يحتل مكانة اسطورية و يترك علامة فارٍقة تخلد العقول المبدعة التي انتجتها. أحد تلك الاعمال التي لا تنسى هي ملحمة المخرج السينمائي الأمريكي ريدلي سكوت ” المصارع “. مع تسارع احداث الفيلم و في أحد اكثر المشاهد درامية و إثارة في السينما الحديثة، يخبر القيصر العجوز ” ماركوس اوريليوس ” )ريتشارد هاريس) ابنه المختل ” كومودوس ” (خواكين فينيكس) بأنه لن يكون الوريث المقبل لعرش الإمبراطورية، حيث ان المنصب سيذهب الى الجنرال الشجاع ” ايليس ماكسيموس ” و الذي لعب دوره النجم الشهير راسل كرو. اشتعلت نيران الغضب والغيرة في قلب كومودوس، و لمعت في عينيه الدامعتين فكرة دموية مجنونة، فإذا به يرتكب الخطيئة الأولى و يكتم أنفاس والده العجوز حتى فاضت روحه الى بارئها، في صورة بليغة كلاسيكية تشرح الصراع الأبدي بين الخير و الشر في النفس البشرية. ربما لم تكن قصة فيلم ” المصارع ” مبنية على احداث حقيقية دقيقة، الا ان القصة الواقعية “لماركوس اوريليوس” وشريكه في الحكم ” لوشيوس فيروس ” لم تكن أقل درامية في نهاياتها. فبعد وفاة والدهما بالتبني، الامبراطور ” انتونيوس بيوس ” عام ١٦١ ميلادية، صعد الثنائي الشاب بسرعة الى قمة هرم السلطة في الإمبراطورية الرومانية العظيمة ليتقاسما معاً العرش. وعلى عكس التوقعات، لم تدب بينهما الخلافات والاضطرابات، فقد كانا حقا كالأخوين المتناغمين، فازدهرت الإمبراطورية في أول عصرهما و عم الرخاء و اليسر (٧). إلا ان ذلك لم يدم طويلا، ففي العام ١٦٥ ميلادية، اجتاح الإمبراطورية وباء فظيع، اختلف المؤرخون في تشخيصه بين الحصبة والجدري، رغم ان الروايات المريعة عن الاعراض وأعداد الضحايا ترجح الاحتمال الثاني. انتشر المرض في البداية بين القوات الرومانية التي كانت تحاصر مدينة سلوقية على ضفاف نهر دجلة، و عاد الكثير من الجنود حاملين المرض معهم الى روما. كانت النتائج مأساوية للغاية. تم تقدير عدد الضحايا بقرابة ثلث سكان الامبراطورية تقريبا (٨). وصل الوباء الى أعلى مستويات السلطة، و في العام ١٦٩ ميلادية، ظهرت اعراض الحمى على الامبراطور ” لوشيوس فيروس ” و أسلم الروح بعدها ببضع ساعات، تاركا رفيق دربه في الحكم ” ماركوس اوريليوس ” وحيدا يواجه حمل إدارة اكبر امبراطورية في العالم و قد بدأ الوباء يعصف بها، حتى قضى هو الاخر بعدها بعقد من الزمان و في ظروف لا تقل غموضا و غرابة في العام ١٨٠ ميلادية. و بعيدا عن هذه القصص الحزينة، كان ” ابولو “، اله الضوء و الموسيقى و الرقص و الطب و المرض أيضا، واحدا من اكثر الشخصيات تعقيدا و عمقا في صالات جبل الاولمبوس المتلألئة و التي كانت تحتضن آلهة الاغريق و الرومان، نظرا لطبيعته الثنائية المتناقضة و المظلمة أحيانا. كان ابولو يعتبر من أكثر الالهة ” اغريقيةً ” و نقاء عرقيا، ولد لرئيس الالهة ” زيوس “، إله البرق و الرعد و زوجته ” ليتو ” المنحدرة من سلالة العمالقة. استطاع ابولو ان يستخدم قواه لشفاء الناس كما استطاع ان ينشر بينهم الامراض و الأوبئة عن طريق رميهم بسهامه الشهيرة. كان لأبولو قصة شهيرة مع الملك الشهير ” اجاميمنون “، و الذي اختطف ابنة احد كهنة معبد ابولو. رفض ” اجاميمنون ” إطلاق سراح الفتاة، فرماه ابولو بنباله و انتشر الطاعون بين الناس لمدة تسعة ايام حتى اذعن الملك و اطلق سراح الفتاة. (٩)
الطاعون بين الميثولوجيا و العقل البشري

و يظل العقل البشري يفكر، و تظل الروح تحلُم.. و بينهما برزخ لا ينتهي

من المسلم به ان الانسان سيظل دوما يبحث عن الحقيقة لإشباع فضوله و نهمه للمعرفة، و حيث ان هذا البحث غريزي في الانسان، فانه سيخترع الحقيقة اختراعا اذا لم يستطع الوصول الى جواب معقول يشبع فضوله و حاجته الملحة الى إيجاد المنطق في كل شيء. ليس هذا بأكثر وضوحا من مقارنة بسيطة بين مدارس ميثولوجيةٍ عريقة، كان لكل منها دولة و زمان و رجال. زيوس ملك الالهة اليوناني و أودن الاب الكبير للآلهة في ثقافة الفايكنج القديمة يحملان أوجه شبه لا يخطئها عاقل بملك الآلهة الفرعونية ” امون”، حيث يمثل كل منهم منتهى صفات الرجولة و القوة و الحكمة. عشتار، افروديت، بارفاتي و ايزيس كلهن يمثلن المرأة القوية الجميلة بسحرها و جاذبيتها و خصوبتها. اما المحارب المصري القديم انوبيس فلا أحد ينكر شبهه الكبير بهاديس او سرت، الهة الجحيم و العالم السفلي في الثقافات المصرية و اليونانية و الاسكندنافية على الترتيب. تم استنساخ الالهة بصفات متشابهة جدا لان هذه الكيانات التي قدستها شعوبها كانت تتحكم في نفس الظواهر الطبيعية على اختلاف الحضارات و الأزمنة، و المقارنات هنا لا تنتهي. ليس القطاع الصحي باستثناء على كل حال. فعندما واجه الانسان القديم الأوبئة العابرة للحدود، التجأ الى الصلاة و التضرع للآلهة ” المختصة ” بدفع المرض و الموت. كان هذا خيارا أسهل كثيرا من انتظار تفسيرات العلماء و التي كانت عادة تحتاج سنوات طويلة من البحث العلمي المنهك، و عقودا أخرى حتى تتحول هذه النظريات الى تطبيق عملي يفيد البلاد و العباد. ان أكبر كذبة صدقها الانسان المعاصر هي ان العلم الحديث يمتلك أجوبة لم يمتلكها أحد في العصور السابقة، متناسيا تماما الكم اللانهائي من الالغاز العلمية التي خلفتها لنا حضارات خلت، ما زلنا حتى يومنا هذا عاجزين عن تفسيرها. يكفي المرء إحساسا بالرهبة و الصغر ان يرى امامه هرم خوفو العظيم في الجيزة. و من يعلم كيف كنا لنتفاعل لو كتب لنا ان نرى منارة الإسكندرية او الحدائق المعلقة ببابل او حتى تمثال رودس الكبير. لا أحد ينكر التقدم العلمي المذهل في وقتنا الحالي، و الذي يجعل المرء يتصور بكل اريحيةٍ ان عصرنا هذا في القرن الواحد و العشرين هو افضل وقت ممكن لنا كي نواجه وباء عالميا عابرا للحدود. لكن الحقيقة المرة هي ان ادواتنا العلمية و الطبية الموجهة ضد وباء كوفيد – ١٩ لم تكن اقوى و لا افضل و لا اكثر منطقية من الوسائل التي امتلكها أناس عاشوا قبلنا بألاف السنين، هم أيضا واجهوا الموت و المرض بما كان متوفرا لهم على اية حال، و نجحوا في تحقيق نتائج مماثلة او افضل نسبيا، و بإمكانات اقل بكثير. خلف كوفيد – ١٩ الكثير من الأسئلة القاسية بلا إجابات. أسئلة عن تعافي الاقتصاد العالمي، و مجالات الطيران و السياحة و التعليم. أسئلة عما إذا كنا فعلا نحتاج الى منظمة الصحة العالمية (بشكلها الحالي على الأقل؟). أسئلة جوهرية عن مستقبل الرعاية الطبية و شكلها المتوقع الجديد في ظل انتشار الاستشارات الطبية عن بعد، و اخرى عن ما اذا كنا سنستطيع قريبا الخروج بلا اقنعة واقية و احتضان أبنائنا و احبتنا. ماذا عن دور العبادة؟ و أماكن العمل؟ لا يعتبر كوفيد – ١٩ تحديا صحيا فحسب، بل انه يمثل تهديداً وجوديا لعالمنا كما نعرفه الان. كل ما نستطيع فعله الان هو الالتزام بالإجراءات الوقائية، لعل الله يحدث بعد ذلك امرا.

المراجع:

1. Sekhmet. (n.d.). Retrieved January 05, 2021, from https://ancientegyptonline.co.uk/sekhmet/
2. (2020, November 13). من الملاريا إلي كورونا: تاريخ من الأوبئة علي أرض المحروسة. Retrieved January 05, 2021, from https://egyptiangeographic.com/ar/news/show/547
3. Cartwright, M. (2020, December 24). Black Death. Retrieved January 07, 2021, from https://www.ancient.eu/Black_Death/
4. Beit Hatfutsot. (2020, March 17). 700 years before Coronavirus: Jewish life during the black death plague. Retrieved January 07, 2021, from https://www.bh.org.il/blog-items/700-years-before-coronavirus-jewish-life-during-the-black-death-plague/
5. Flagellants. (2016, December 6). Retrieved January 05, 2021, from https://www.britannica.com/topic/flagellants
6. P B S : C o n q u i s t a d o r s – C o r t é s. (n.d.). Retrieved January 06, 2021, from https://www.pbs.org/conquistadors/cortes/cortes_d03.html
7. Wasson, D. (2020, December 28). Lucius Verus. Retrieved January 06, 2021, from https://www.ancient.eu/Lucius_Verus/
8. Horgan, J. (2020, December 30). Antonine Plague. Retrieved January 06, 2021, from https://www.ancient.eu/Antonine_Plague/
9. Healey, M. (2020, June 05). Greek Mythology on Apollo & the Plague. Retrieved January 06, 2021, from https://classroom.synonym.com/greek-mythology-apollo-plague-21925.html

Mohammed Balushi

طبيب مهتم بالانسان و الدين و الخرافة.

‫2 تعليقات

  1. راق لي جدا ربط.الواقع بالماضي السحيق نسبيا بالنسبة لنا ..فكريا وعقليا كأننا نتظر في مرآة الحياة فنراقب خلقات متداخلة مامررة لشكل او اخر تتكرر مع اختلافات طفيفة …احببت يا دكتور لغتك واسترسال افكارك وتمكنك من افكارك ..
    اسلوب أدبي جميل مع خلفية طبية …اهنئك
    تمنياتي بالتوفيق والمزيد قريبا

  2. راق لي جدا ربط.الواقع بالماضي السحيق نسبيا بالنسبة لنا ..فكريا وعقليا كأننا نتظر في مرآة الحياة فنراقب حلقات متداخلة متكررة لشكل او اخر تتكرر وتعيد نفسها مع اختلافات طفيفة …احببت يا دكتور لغتك واسترسال افكارك وتمكنك من افكارك ..
    اسلوب أدبي جميل مع خلفية طبية …اهنئك
    تمنياتي بالتوفيق والمزيد قريبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى