سياسة و تاريخ

لعبة العقوبات الأمريكية

لقد عانى اقتصاد إيران الأمرين في السنوات الأربع الماضية، فبعد التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والتي تهدف لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، في عام 2015، تلقت إيران على الفور تخفيفًا للعقوبات: نما الناتج المحلي الإجمالي على الفور بمعدل مذهل بلغ 12 في المائة، وبدأت الشركات الأوروبية الاستثمار في القطاعات الرئيسية في البلاد مثل النفط والغاز والسيارات. ولكن بعد ذلك في شهر مايو الماضي، انسحب دونالد ترامب من خطة العمل المشتركة وانتهك قرار مجلس الأمن رقم 2231 الصادر عن الأمم المتحدة، مؤديا بمفرده إلى تقويض مفاوضات مكثفة استمرت 12 عامًا بين إيران والعديد من القوى العالمية.

من خلال الانسحاب، فرضت إدارة ترامب عقوبات أحادية، مستهدفة الموارد الإيرانية: قطاعات البنوك والتمويل والطاقة والطيران والشحن. وتعد هذه أقسى العقوبات التي فرضت على أي بلد على الإطلاق، كما فشلت محاولات الاتحاد الأوروبي لإنشاء قنوات مالية مستقلة للتجارة والأعمال حتى الآن في التعويض عن الإجراءات الأمريكية. توقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6 في المائة في عام 2019، ومن المتوقع أن ترتفع البطالة إلى 15.4 في المائة في عام 2019.

قال الرئيس حسن روحاني : “اليوم، لا يمكن القول ما إذا كانت الظروف أفضل أو أسوأ من فترة الحرب”، مشيراً إلى مقارنة الوضع الحالي لإيران بالسنوات الصعبة من حرب صدام حسين ضد إيران في الثمانينيات، “لكن خلال الحرب لم تكن لدينا مشكلة مع البنوك أو مبيعات النفط أو الواردات والصادرات، ولم تكن هناك سوى عقوبات على شراء الأسلحة “.

إن استراتيجية “أقصى قدر من الضغط ” التي يتبعها دونالد ترامب محكوم عليها بالفشل، خاصة مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

في الواقع، ومنذ ثورة 1979، لم تواجه إيران أبدًا مثل هذه الضغوط الاقتصادية الطاحنة، إذ تأمل إدارة ترامب أنه من خلال استنزاف الاقتصاد الإيراني، يمكنها إعادة البلاد إلى طاولة المفاوضات النووية جاثية على ركبتيها – وبالتالي تأمين صفقة “أفضل” مما أشرفت عليه إدارة أوباما. غير أن ما يغيب عن معادلة إدارة ترامب هو بعض الحقائق البسيطة، بما في ذلك الحقيقة الأساسية  التي مفادها أن إيران لم تستسلم أبدا منذ ثورة 1979 للضغوط والإكراه الدوليين، حيث تعتبر البلاد أن الاستسلام للضغوط السياسية والاقتصادية للقوى “الإمبريالية” يتناقض مع المبادئ الأساسية لثورة 1979 – وهي ثورة وصفها علماء الاجتماع بأنها آخر “ثورات عظيمة” أحدثت تغييرات جذرية في هياكل الدولة وطبقاتها وأيديولوجيتها المهيمنة لحماية استقلال إيران.

علاوة على ذلك، بينما يميل صانعو القرار الأمريكيون إلى التركيز على القدرات العسكرية الإيرانية (مثل برنامج الصواريخ البالستية) والصناعات “الصلبة” (مثل الصلب والمطاط والاسمنت والحديد)، فإنهم غالباً ما يتجاهلون المصادر الحقيقية لقوة إيران، المتمثل في رأس المال البشري. فعلى الرغم من أربعين عامًا من العقوبات الاقتصادية المستمرة، فإن إيران لا تتمتع بكفاءة عالية في الصناعات الثقيلة فحسب، بل أيضًا في قطاعات متطورة مثل الفضاء وتكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية والخلايا الجذعية، فهي موطن لقوة عاملة ماهرة وشابة، 20 في المائة منها حاصلون على تعليم جامعي. وهذا يتناقض تناقضا صارخ مع الاقتصادات الأسرع نمواً في البرازيل والهند، حيث يمثل العمال الحاصلون على تعليم عالٍ أقل من 10 في المائة من القوى العاملة.

لقد أثبتت إيران أنها لا تستسلم للضغوط. وبنفس القدر من الأهمية، فإنها أثبت أيضًا أنها قادرة على تحمل المشقة. وإزاء ما يتردد من التقارير عن الأخيرة عن وقوع هجمات على ناقلات النفط بالقرب من مضيق هرمز في خليج عمان، ازدادت التوترات بين إيران والولايات المتحدة بشكل كبير، غير أن احتمالات الاشتباك العسكري المباشر غير مقبولة لجميع الأطراف المعنية، إذ لا تريد أي دولة أن تنتهي هذه المواجهة بحرب؛ في الحقيقة، أوضح ترامب نفسه أنه لا يسعى لتصعيد المواجهات العسكرية. إذن ، ما الذي يمكن أن تأمل استراتيجية ترامب المتمثلة في “أقصى قدر من الضغط” في تحقيقه؟

لنكن صريحين: إن استراتيجية إدارة ترامب هذه لن تجعل إيران تستسلم، بل لن تؤدي إلا لخلق مصاعب اقتصادية بالنسبة للشعب الإيراني العادي عن طريق زيادة تكاليف المعاملات. ونظرًا لأن السويفت كود  الخاص بالبنك المركزي الإيراني يخضع لمعاقبة وزارة الخزانة الأمريكية، فلن تتمكن البنوك الدولية من إصدار خطاب ائتمان للعملاء الإيرانيين للانخراط في التجارة والأعمال، وهذا يرفع بشكل كبير تكاليف تدفق رأس المال داخل وخارج البلاد، وبالتالي يمنع النمو الاقتصادي والديناميكية.

هناك احتمالات لإعادة التفاوض حول صفقة جديدة مع إدارة ترامب، لكنها احتمالات ضئيلة للغاية. في الشهر الماضي، قال الرئيس روحاني إن إيران منفتحة للحوار “كلما رفعوا العقوبات الظالمة وأوفوا بالتزاماتهم وعادوا لطاولة المفاوضات، التي تركوها بأنفسهم.” مؤخرا زار رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي إيران الثلاثاء الماضي ليسلم المرشد الأعلى عرض إعادة التفاوض من  ترامب، فأخبر المرشد الأعلى آبي أن “الجمهورية الإسلامية لا تثق بأميركا، ولن تقبل أي دولة حرة ومعقولة  إجراء مفاوضات تحت وطأة الضغط”.

بالنسبة لإيران، ثمة سبب وجيه للمطالبة بأن تبدأ إعادة التفاوض فقط بمجرد إلغاء العقوبات الاقتصادية. فإيران، قبل كل شيء، تمتلك أفضلية أخلاقية تستند عليها، حيث تتضمن خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA أكثر أنظمة التفتيش تدخلاً التي شهدها عالم عدم الانتشار. وخلال السنوات الأربع الماضية، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، مرارًا وتكرارًا، أن إيران تمتثل امتثالًا تامًا لشروط وبنود الخطة. وبالتالي، فإن مقاومتها للضغط الأمريكي تعتبر شرعية، في نظر مسيري الدولة، والقوى العالمية، وعامة الناس.

بالمقابل، أثبتت إدارة ترامب أنها غير متسقة وليست جديرة بالثقة. وفي حين أن إيران امتثلت بالكامل لشروط وأحكام خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن الانسحاب الفردي للولايات المتحدة عام 2018 يعني أن الأرباح الاقتصادية الموعودة لإيران قد توقفت فجأة، حيث انخفضت صادرات النفط الإيراني من 3.8 مليون برميل يوميًا في عام 2017 إلى أقل من مليون برميل يوميًا في مايو 2019. وحتى لو وصل الطرفان في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، فإن الإجراءات الأمريكية جعلت من إمكانية التوصل إلى اتفاق بعيد المنال بشكل متزايد، كما أن المسئولين الإيرانيين باتوا الآن مقتنعين بأنه لا توجد ضمانات؛ فحتى لو تفاوضوا على صفقة جديدة، فقد لا تحافظ الولايات المتحدة على تعهداتها بهذا الشأن.

وطالما أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية مطبقة، فهناك الكثير من الأسباب التي تدعو للشك في أننا سنصل إلى طاولة المفاوضات. أولا، يسود لدى صانعي السياسة في الولايات المتحدة اعتقاد خاطئ بأن البلدان تستسلم تحت ضغوط اقتصادية وسياسية هائلة. ففي حين أن العقوبات الاقتصادية تضر دائمًا بجماهير عريضة من السكان المدنيين، فإنها لا تفعل الكثير لتغيير سياسات الحكومة، إذ تشير دراسة تاريخية شاملة للعقوبات الاقتصادية إلى أنه من بين 170 حالة تم فيها فرض العقوبات في القرن العشرين، لم ينتج سوى ثلثها عن أهدافها المعلنة والمأمولة. تؤدي العقوبات إلى إعاقة النمو الاقتصادي وتقويض الإنتاج وتؤدي إلى فشل الشركات مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، لكن الأدلة تشير إلى أن الدول أقل ميلا للاستسلام تحت هذه الضغوط مما تتحمله.

يكمن أحد أسباب ذلك في أن العقوبات تعمل في الواقع على تقويض القوى الأكثر اعتدالا وإصلاحية في البلاد، وإيران، في هذا الصدد، مثال بارز. يُنظر إلى إدارة روحاني على أنها معتدلة – فقد ركز على منصة “المشاركة البناءة” مع العالم – وعلى مدار الأربعين عامًا الماضية، عملت إدارات أمريكية مختلفة بجد لنشر خطاب مفاده أنها ليست معادية للشعب الإيراني. ولكن بسبب سياسات وإجراءات ترامب العدائية، فقد تعززت القوى المحافظة الإيرانية – التي تحاول باستمرار إقناع الجمهور بأن الولايات المتحدة غير جديرة بالثقة. إن إصرار إدارة ترامب على رفع العقوبات بعد الاتفاق النووي – إلى جانب حظر السفر – قد أثار تصورا لدى الإيرانيين بأن السياسة الأمريكية عشوائية وعنيفة.

إن التأثير الهائل لصقور الحرب الأمريكيين مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون – الذي دافع عن غزو العراق عام 2003 وحث باستمرار على اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران – لا يساعد هذا التصور. وفي حين أن أكبر خطأ قد ترتكبه إدارة ترامب هو خلط إيران بالعراق واختيار توجيه ضربة عسكرية، فإن القيادة الإيرانية مقتنعة بأن السياسة النهائية للولايات المتحدة هي سياسة “تغيير النظام”. ومن ثم، فإن طهران تعتبر العقوبات مجرد استراتيجية واحدة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، واستراتيجيتها المضادة هي المقاومة وإيجاد طرق للتحايل على العقوبات قدر الإمكان.

إن أساليب مقاومة العقوبات والتحايل عليها ليست جديدة على الحكومة والشعب الإيرانيين،  فد قاوم الإيرانيون حرب حسين الطويلة ضد بلادهم طوال الثمانينات دون المساس بشبر من أراضيهم، كما قاوموا الحظر الاقتصادي بجميع الأنواع على مدى السنوات الأربعين الماضية. إن حكام إيران وشعبها معتادون على الضغط، وقد وجدت الدولة دائمًا طرقًا لإبقاء المجتمع واقفًا في أوقات صعبة.

وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار مخزون إيران من رأس المال البشري أكبر تمثيل ملموس على ثروتها. يبلغ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الشباب 98 في المائة، وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم. وحتى خلال نظام العقوبات الحالي ، ظلت إيران واحدة من أكبر المستثمرين في الشرق الأوسط في مجال البحث العلمي؛ ففي عام 2017 ، احتلت إيران المرتبة الأولى في العالم من حيث الإنتاج العلمي والنمو، كما تُصنّف بعض جامعاتها التقنية الراقية بين أفضل المؤسسات الأكاديمية في العالم، وغالبًا ما يشار إلى جامعة شريف للتكنولوجيا باسم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في إيران، ويعمل الكثير من خريجي إيران في صناعات التكنولوجيا الفائقة في الوطن.

إن إيران، التي تمتلك 10 و 16 في المائة من إجمالي الاحتياطيات المؤكدة من النفط والغاز الطبيعي في العالم على التوالي، هي الاقتصاد الوحيد القائم على النفط الذي تمكن من تطوير قطاع صناعي كبير. في عام 2009، أصبحت إيران تحتل المرتبة الحادية عشر في العالم في قائمة مصنعي السيارات، حيث تمكنت من إنتاج أكثر من 1.6 مليون سيارة. وضع هذا الترتيب صناعة السيارات الإيرانية فوق بعض البلدان في العالم المتقدم، مثل المملكة المتحدة (الثالثة عشرة) وإيطاليا (الرابعة والعشرون). ومع قيام الآلاف من المهندسين بتصميم مركبات وطنية، تعد صناعة السيارات ثاني أكبر قطاع في الاقتصاد بعد النفط وتوفر فرص عمل كبيرة للشباب في إيران.

تستمر إيران في الأداء بشكل جيد في مؤشرات التنمية البشرية مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. فوفقًا لمؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تحسنت إيران بنسبة 67 في المائة على مدار العقد الماضي، وارتفع متوسط العمر المتوقع بشكل كبير، من 54 عامًا في عام 1980 إلى 74 عامًا في عام 2012. ومرة أخرى، على الرغم من العقوبات الاقتصادية على مدار الأربعين عامًا الماضية، فإن تحتل إيران المرتبة الأولى بين أكبر عشرين اقتصادًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بالإضافة إلى تعادل القوة الشرائية.

وبينما شن الرئيس ترامب حملة ضد الحرب في أفغانستان والعراق، وقال مرارًا وتكرارًا إنه لا يريد خوض حرب جديدة مع إيران، فقد حشر نفسه في زاوية خطيرة في الخليج الفارسي، إذ إن عدم الاستقرار هناك لا يخدم مصالح أحد، لكن الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة – أي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل – دفعوا منذ فترة طويلة إدارة ترامب إلى القيام بعمل عسكري ضد إيران.

حتى الآن ، يبدو أن ترامب قد أدرك أن المواجهة العسكرية مع إيران ستكون كارثية، بكل الطرق الممكنة. ولكن إذا كان يرغب حقًا في تجنب المزيد من التصعيد، فيتعين عليه بذل جهود دبلوماسية موثوقة لحل الأزمة التي تسببت بها إدارته بدون مبرر من خلال الانسحاب من اتفاق دولي، والذي كان يسير وفقا لكل التقديرات الرسمية بشكل جيد. سيتطلب ذلك من الولايات المتحدة إلغاء العقوبات التي فرضتها على إيران بعد الاتفاق النووي في عام 2015 والبدء في إعادة التفاوض حول صفقة جديدة من الصفر. ومع العلم أن سياسة “أقصى قدر من الضغذ” غير الحكيمة لن تجعل إيران تستسلم، فإن هذا هو الخيار الوحيد لحفظ ماء وجه كلا البلدين.

 

http://bostonreview.net/war-security/masoud-movahed-sanctions-game

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق