سياسة وتاريخ

«لدي حلم».. كلماتٌ صدعت قديمًا في سماء أمريكا وتتردد الآن

على الرغم من مرور السنوات وتغيُر الأزمنة ونحن نعيش في عصرٍ أكثر تفهمًا وانفتاحًا، إلا أنه لم نتخلص من آفة العنصرية بين المجتمعات والشعوب.

العنصرية هي الاعتقاد بوجود فروقات بين الناس تُعطي الحق والتبرير لمجموعه من الناس بأن يروا أنفسهم أعلى من غيرهم وأفضل وهذا يدفعهم لمعاملة من يختلفون عنهم بمعاملة التكبر والغرور لأنهم في نظرهم الأقل تميزًا وشكلًا وثراءً وتفكيرًا وعلمًا أو عملاً.

يدفع الشعور بالعنصرية بأن يتعامل العنصريون من مرتبة فوقية والبقية في أسفلهم، وكأن لهم الأحقية بالثراء المادي والمعنوي والسياسي والاقتصادي والديني أيضًا، وأن ما دونهم لا يستحق سوى أن يكون خادمًا لهم بل لا يستحق حتى الحياة في أعينهم.

«لدي حلم»

“هذا هو أملنا.. بهذا الإيمان سنكون قادرين على شق جبل اليأس بصخرة الأمل، بهذا الإيمان سنكون قادرين على تحويل أصوات الفتنة إلى لحنٍ جميل من الإخاء، بهذا الإيمان سنكون قادرين على العمل معًا والصلاة معًا والكفاح معًا والوقوف من أجل الحرية معًا.
لديُّ حلم بأنه في يوم ما ستنهض هذه الأمة وتعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها الوطنية بأن الناس خُـلِقوا سواسية.
أقول لكم اليوم يا أصدقائي؛ إنه على الرغم من الصعوبات التي نواجهها اليوم والتي سنواجهها في الأيام المقبلة، فلايزال لديَّ حلم”.

«لديَّ حلم»، هو الاسم الذي أُطلِق على خطاب وكلمات صاغها الزعيم والناشط السياسي الأمريكي من أصول أفريقية، مارتن لوثر كينج، أمام مسيرات واشنطن عام 1963 للتعبير عن حلمه في رؤية التعايش بين السود والبيض في مساواة وحرية وسلام.

وألقى كينج الخطاب وهو يقف على أعتاب نُصُب الرئيس الأمريكي الراحل أبراهام لينكون، الذي استطاع توحيد الولايات المتحدة الأمريكية وقضى على العبودية في البلاد.

ويُذكّر خطاب «لدي حلم» ما يحدث في الولايات المتحده الأمريكية في هذه الأيام، من مناوشات واحتجاجات بعد مقتل أحد المواطنين ويدعى جورج فلويد ذو البشرة السوداء على يد ضابط أميركي أبيض البشرة.

وتعيد الأحداث الراهنة الذاكرة لما قاله مارتن لوثر كينج “في أنهم سيواجهون الصعاب في المستقبل” من تلك العُنصرية البغيضة ضد السود في الولايات المتحدة.

آفة العنصرية على مدار التاريخ البشري

لم تقتصر العنصرية بين الأجناس البشرية ذوي البشرة السوداء والبيضاء، بل سيطرت على جميع فئات البشرية فيما بين الطبقات الحاكمة وبين الشعوب في تاريخ العالم، وبين طبقات المجتمع المختلفه داخل المجتمع الواحد، وبين شعوب مختلفة على وجه الأرض. ليس ذلك فحسب بل أيضًا لحقت آفة العنصرية بالبشر ضد الحيوانات أو الطيور في بعض الأحيان.

وما يدفع إلى العنصرية إن جلست تفكر بها؛ مشاعر الغيرة، التكبر، حب الذات أكثر من اللازم. وكلها نابعة من الشعور بالنقص في النفس البشرية والتي تحاول أن تملأ النقص بسيطرتها وتحكمها على الآخرين، وكلها صفات شيطانية لم تكن بدايتها بالحقبة الزمنية الحالية، فهي ليست وليدة هذا الزمن.

بدايةً من قديم الأزل عندما رأى إبليس أنه أفضل من آدم، وبين أبناء آدم لمّا رأى قابيل أن له الأحقية في رزق أخيه هابيل،
وتوالت الأزمنة والأفعال وبعث الله الأنبياء للأمم لتذكيرهم بالإنسانية وأن العظمة لله وحده لا إلٰه سواه.

الأديان وانتشار آفة العنصرية

نادت الأديان السماوية جميعها بالمساواة وكان أكثر الأمم عنصرية هم اليهود والذين كان عقابهم من الله أن يتيهون في الأرض وهذا ما دفعهم حتى الآن لسد شعورهم بالنقصان بأن يفرقوا بينهم وبين من لهم كل الحق بدولة فلسطين.

ولم يكتفِ اليهود عن سد نقصهم باكتفائهم بممارسة آفة العنصرية على الفلسطينيين، فهم مَن يمتلكون اقتصاد العالم ويلعبون به وكأن لهم حق احتكار العالم ويرون أنفسهم أفضل الشعوب أو الشعب المختار، كما يقولون.

نأتي لقادة وكبار قبيلة قريش وعرب مكة الذين خافوا على اقتصادهم ومكانتهم العالية ورفضوا رسالة سيدنا مُحمد -صلى الله عليه وسلم- لأنها نادت للمساواة.

وتعتبر جميع الحروب والاستعمارات بين البلدان المختلفة على مر التاريخ، والتي قامت على أساس ديني، ما هي إلا وليدة العنصرية تحت سقف التبريرات الكاذبة.

العنصرية بين الإنسان ونفسه!

أما عن وجود آفة العنصرية بين الإنسان والحيوان أو الطير، فالإنسان يقمع حرية الطائر الذي خُلِقَ للطيران تحليقًا في السماء، بحبسه في قفص صغير تبريرًا الموقف بأن هذا لتزيين المكان.

لم يراعِ الإنسان حق غيره من الكائنات الأخرى وهو الذي يحارب لتحرير آراءه وفِكر عقله وأحلامه بين البشر أمثاله، والأغرب من هذا كله هو وجود العنصرية بين الإنسان ونفسه، فبداخل كل منا إنسان يريد أن يسيطر على الآخر بصفاته المعاكسة له.

بطبيعة الحال، فإن السلام حُلم وردي سنظل نحلم به ولكنه لم يتحقق لحكمة لا يعلمها إلا الذي مَن تركَ لنا الاختيار، وحكمته لا تدركها العقول الضائقة.

ولم يمنع عدم تحقيق السلام من أن نحلم به، والأهم من الحلم هو السعي عليه بيننا وبين نفوسنا وتصديقه، وبيننا وبين الواقع مهما كانت العواقب.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Basma Mohammed

من صعيد مصر وأسعى أن اكون علي قدر اسمي 'بسمه

‫2 تعليقات

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق