سياسة وتاريخ

«لتحيا الفوضى».. لماذا تواجه الأناركية حملة شعواء من كافة التيارات؟

نادرًا ما يتفق الاشتراكيون السلطويون (مثل الماركسيين والاشتراكيين القوميين) والليبراليون على موقف ما. لكنهم اتفقوا على قضية واحدة على الأقل، وهي موقفهم من الأناركية إذ ساهما في تشويه مصطلح “الأناركية” Anarchism وربطه بالفوضى، كما حدث مع مصطلح “الاشتراكية”. فقد عملت الدعاية الغربية على ربط الاشتراكية بإرهاب الدولة والديكتاتورية والبوليس السري، وفي المقابل طبقت الأنظمة التي تدعي تمثيل الاشتراكية كل ما سبق لترسيخ هذا الربط الملتبس، كما حصل في الاتحاد السوفياتي. لكن اللاسلطوية، على الأقل في بعض أشكالها، هي تصورات تقوم على مجتمعات منظمة إلى حد كبير.

ولو أخذنا النموذج الذي جاء به دي سانتيلان الذي كان صاحب تأثير في الثورة الإسبانية فهو مثال جيد؛ فقد دافع عن نظام مختلط منفتح على جميع المبادرات، وأدرك أن الظروف المادية للحياة تؤثر بقوة على النفس البشرية؛ فالمجاعة تجعل الفرد أنانيًا والوفرة تجعله وديًا.

كل فترات الحرمان أدت إلى الانحدار الأخلاقي والصراع من أجل القوت اليومي، فالاقتصاد يؤثر بشكل خطير على الحياة الروحية للفرد وعلاقاته؛ لذا يجب إنشاء أفضل الظروف الاقتصادية، التي ستضمن العلاقات المتساوية والمتينة بين الأفراد.

ما يميز الأناركي أنه يفضل الحرية على الخبز، ورغم ذلك فإن الشيوعية لن تقوم في ظل الجوع، التشاركية هي نتيجة طبيعية للوفرة، وبدون الوفرة ستظل الأفكار مثالية. وبما أن الأناركيين دعاة حرية، فإن الحرية تنسحب على الاقتصاد كذلك، فيجب أن يكون هناك حرية للتجربة، وللمبادرة والاقتراحات، إضافة لحرية التنظيم. لجعل هذا ممكنًا، يجب الإصرار على شرط الوفرة الذي يتحقق من خلال الاستخدام الشامل للتقنية الصناعية والزراعة الحديثة والتنمية العلمية، ولا يجب بحسب الأناركية التدخل بكيفية تنظيم العمال والموظفين والفنيين في المصنع، هذا شأنهم. الأساس هو التماسك بين قوى الإنتاج والتوزيع.

هذا يعني أن المنتجين من كل مكان يجب أن يتوصلوا إلى تفاهم مع المحليات الأخرى في المقاطعة والبلاد، والتي يجب أن يكون لها توافق دولي مباشر بين منتجي العالم. قدم سانتيلان مفهوم الكومونة الفدرالية، المدمجة في الشبكة الاقتصادية الكلية للبلد. وناقش التوزيع العادل لنتاج العمالة ونبذ العزلة الاقتصادية. الثورة الأناركية تحرر قوى العمل والتحرر، ولكن يستحيل أن يصبح كل المجتمع أناركيًا، إذ لا بد من وجود فئات معارضة، ولا يجب أن نمارس القوة بحق هؤلاء، ويجب احترام حرية خصومنا ليعيشوا حياتهم الخاصة، شرط ألا يكونوا عدوانيين ولا ينكرون حرية الآخرين.

أكد سانتيلان على الاعتراف بحق التجربة الحرة لجميع الميول الاجتماعية؛ لا مكان لطغيان جديد، ويمكن لجميع القوى إظهار نفسها.

سعى اللاسلطويون إلى تمثيل واسع للمنتجين، وقد اضطلعت النقابات في الثورة الإسبانية بدور كبير فقد ركزوا على ثورة اجتماعية خلال دورياتهم واجتماعاتهم الدائمة وكان لهم الفضل في الإنجازات العفوية للثورة التي تلت. فالنقابيون اللاسلطويون سعوا إلى تنظيم الإنتاج على أساس ديموقراطي يكفل للعمال في مصانعهم والموظفين في دوائرهم إدارة ذاتية. اللاسلطوية المتسقة تنادي بحرية العمل، وإشراف المنتجين الحقيقيين على عملية الإنتاج وتنظيمها. وهذا مستحيل في ظل احتكام العامل لسلطة خارجية (الدولة، الشركة، رأس المال، النقابة.. إلخ) عوضًا عن دوافع داخلية.

اقرأ أيضًا: وهم الغاية: تطور الدماغ البشري ليعتقد أن لكل شيء سبب

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق