مدونات

لا تكن تافهاً

قد يبدو عنوان مقالتي سخيفًا؛ فأنا أطلب منك أن تتوقف عن التفاهة!

لا تبتئس مني فإني في النهاية أحبك؛ وكلي رجاء أن أراك بخير، التوقف عن التفاهة ليس أمرًا نملك ترف التباطؤ في تنفيذه على الفور، فالأحداث من حولنا جلل، وغايتنا في الوجود أسمى وأعلى من أن نتطرق للتفاهات لتأخذ حيزاً من عقولنا وقلوبنا، بل وقد تصرفنا عن طريقنا الذي نحن فيه ماضون.

الكثيرون شغلتهم التفاهات وسفاسف الأمور، وحادوا عن عظائم أمور الدين والدنيا، فلم تتفرغ عقولهم مثلا للتدبر في الكون وأسراره، ولا في تقصي العلم وأخباره، ولا في فهم الدين وأفكاره، بل انطلقت بهم هاماتهم ليبحثوا عن الصغائر، ثم يتربصون لها بالحديث ليلاً ونهاراً، فيتحدثون فيها مراراً وتكراراً، فانصرفوا عن غاية خلقهم فصرف الله قلوبهم وعقولهم، وأفسحوا مجالاً كبيراً للعالم المتقدم لكي يسبقهم إلى ما كانوا هم به أولى بحكم تعاليمهم الدينية وثقافتهم العربية، تركوا عقولهم تستجيب لصغائر الأمور، ثم انشغلوا بكيفية التعاطي مع هذه الصغائر، فضاعت حياتهم وهم إما صانعون للصغائر وتوافه الأمور، وإما مشغولون بالرد عليها وتفنيدها.

عزيزي، عزيزتي، الحياة قصيرة للغاية، وأنتما مخلوقين عظيمين، ذكراً أنت أو أنثى، حباك الله نعمة العقل لتميز بين الأمور، وآتاك فطرة سوية، ومنحك قلباً يفقه وعقلاً يتدبر، فهل من المعقول أن تترك استغلال هذه الملكات الممنوحة لك من الخالق وبدون مقابل بل وتملأها بالتفاهات؟ هؤلاء التافهون لا يعرفون قيمة أنفسهم ولا قيمة الحياة من حولهم، ولو أنهم شغلوا أنفسهم بالعمل الصالح للحياة الدنيا والآخرة، لما وجدوا وقتًا ليصطنعوا التفاهات أو يتفاعلوا معها أو يستجيبوا لها.

طور عقلك، وما ذلك إلا ليفرز ما يتلقاه خلال مسيرتك في الحياة، العقل كلما ارتقى وتطور، كلما كان سداً منيعاً وحصناً حصيناً ضد وباء التفاهات، لأنه لن يفتح لها باباً، وإن فتح بابه سيعمل على الاستفادة من هذه التفاهات لصالحه.

فها هو أحد التابعين من السلف الصالح عندما اصطدم بأحد المارة دون قصد، قال له الأخير أحمار أنت؟ فكان رد السلف الصالح بكل بساطة ( لا، لست حماراً) ثم مضى في طريقه وكأن شيئًا لم يكن، ولما سئل عن ذلك وقيل له لماذا لم تغضب لنفسك وتثأر؟ قال ولماذا كل هذا؟! لقد سألني أحمار أنا فقلت له لا؛ هكذا بكل هدوء وعقل ورصانة، فأنت لن تستطيع أن تؤدب الكبير ما دام قد فقد أدبه، دعه يفتح باب التفاهة وانأى بنفسك عنها.

فإنني إذا أدعوك إلى أن تنشغل بعظائم الأمور، أدعوك كذلك إلى أن تتجاهل التفاهة وأهلها، فإنها إن صرفتك عن غاية خلقك فلن تكون إلا ڤيروسًا لا يقل خطورة عن الڤيروسات التي يتأذى منها الإنسان، ولتعلم أن من مقاصد الدين حفظ العقل، احفظ عليك عقلك فإنه أكبر نعمة، حذاري أن تفتح بابه للسفهاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق