مدونات

لا تخش الموت..

يتشدق البعض بالعبارات المنفرة التي تصرف الكثير من الناس عن الإقبال على الخالق بالمحبة والطمأنينة، فاتبع المتشدقون منهج التخويف من لقاء الله وكأنه سبحانه يتربص بالناس ليعذبهم ويخيفهم، ونسوا أن الله هو الرحمن الرحيم، الكثير من أدعياء العلم وأنصاف الدعاة يتبعون نهج التخويف اعتقادا منهم بأنهم بذلك يجلبون الناس إلى ساحة الدين، ولكنهم للأسف وقعوا تحت طائلة المنفرين.

يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى حينما خلق الخلق خلقهم لكي يمتعهم بنعم الجنة، ويسر لهم في الدنيا كل ما يجعلهم يحيون فيها حياة طيبة، ولو نظرنا إلى العالم بدون عبث البشر به لوجدناه عالما طيبا مليئا بالخيرات المنثورة في كل بقاع الأرض، فكل ما يحتاج إليه الإنسان متوفر بالطبيعة، وأشهى الأطعمة وأروع المشروبات وهواء نقي، وبيئة متوازنة تبعث على السرور، فلا تعارض بين مخلوقات الله المسيرة، فليس من الممكن أن تتصادم الشمس بالقمر ولا أن تقترب الشمس من الأرض فتحرقها، ولا أن تطغى البحار على الأرض فتغرقها، إذا أردنا أن نرى جمال الكون وروعته فلننظر إلى الأطفال، وكيف تكون براءتهم ونقاءهم وصفاءهم.

الكون رائع، عامر بالخيرات، والله رحيم واسع الرحمات، لم يخلق البشر ليعذبهم، ولم يتسلط عليهم بسلطان القهر ليوجههم، تركهم وترك لهم الخيرات وآتاهم فطرة سليمة سوية حتى يكونوا على استعداد لتقبل منهج قويم جاء لصلاح حالهم.

لعل العاقل الباحث بتجرد ودون تعصب، أن ينظر في منهج الخالق فيرى أنه منهج مرن ورحيم لصالح البشرية، يخاطب العقل ويحرك القلب نحو الحياة السوية، فالأصل في الأشياء كلها الإباحة، والاستثناء ما حرمه الله، وغاية التحريم صلاح الإنسان وسلامة فطرته.

وإن كان الموت حقا، فلنعلم أنه كالولادة، فالموت انتقال من حياة إلى حياة أفضل، ومن ضيق إلى سعة، ولعل أعظم ما فيه أنه لما خير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ما بين البقاء في الدنيا وبين الرفيق الأعلى، ردد قائلا: “بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى”، إن المقبلين على الله لا يخافون من لقائه.

أهم ما يجب أن نتعلمه ونعلمه لأبنائنا، أننا في مسيرة إلى الخالق، وأنه من الجدير بنا خلال هذه المسيرة أن نقدم الأعمال الصالحة النافعة لنا وللآخرين، فالعمل ليس دينيا فقط وإنما أيضا عملا دنيويا لصالح البشرية، ذاك هو الفلاح بعينه، فالدنيا أرض خصبة، نزرع فيها بأعمالنا لتتحول إلى جنة نحيا فيها حياة أبدية عامرة بالسعادة.

لذلك، لا تسمح لهؤلاء المتشدقين أن يفسدوا عليك حبك لربك، فمحبة الله تجلب الخير في الدنيا والآخرة، ولننظر إلى هذا الأعرابي الذي جاء إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال له ( من يحاسب الخلق يوم القيامة ) وعلم من الرسول أن الله هو الذي يحاسب الخلق يوم القيامة، ففرح الأعرابي وقال أن الكريم إذا قدر عفى، هذه هي النظرة السديدة إلى خالقنا سبحانه وتعالى، نظرة نابعة عن حب وثقة في رحمة الله، ولا ننسى أن الرسول الكريم قد ذكر أن الله تعالى أرحم بنا من أمهاتنا.

إننا نحتاج أن ننظر إلى مسألة الموت على أنها بداية حياة جديدة، نعود فيها إلى الخالق الرحيم، ولست أعني بذلك التفريط وتحري العمل الخبيث، فأصحاب الأعمال السيئة والظالمون لأنفسهم ولغيرهم عليهم أن يدركوا أن الله كما أنه غفور رحيم، فإنه شديد العقاب.

لذا، لنغير نظرتنا عن الموت، ونقدم العمل الصالح الذي يسعدنا في هذه الحياة وعند لقاء الله تعالى، وما دمنا نعلم أن العودة إلى الله أمر لا مفر لنا منه، فلنتعامل مع ذلك بما يسعدنا بالأعمال النافعة التي نسعد حينما تعرض على الخلائق يوم القيامة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق