مدونات

كُنْ أنت الدواء ومنبع الشباب الدائم

الدراسات الطبية حول الأمراض المختلفة

تجرى حول العالم شهرياً مئات الدراسات الطبية والعلمية حول صحة الجسد وإطالة العمر والتمتّع بالعافية حتى عمر متقدّم، وعند الاطلاع على العوامل المُسبّبة لأيّ مرض على الإطلاق بدءاً من فيروس أنفي بسيط وصولاً إلى أمراض القلب وتصلّب الشرايين والسرطان، نجد أن البكتيريا والفيروسات هي جزء صغير جداً والعامل الأكثر ضعفاً في إثارة المرض.

نعلم جميعاً ومن خلال الأبحاث الطبية لسنوات طويلة حول الأمراض المُزمنة ومحفّزات الإصابة بها، وأنّ اعتماد نظام حياة صحي من تناول الغذاء المتوازن والمُعتدل وممارسة التمارين الرياضية هي القواعد الذهبية للحفاظ على صحة جيدة، ولكن هناك نقص كبير وثغرات هائلة في مفهوم نظام الحياة الصحي.

بداية لا بدّ من مُلاحظة نتائج الأبحاث العلمية حول الأمراض المُزمنة، تبيّن وجود تفاوت كبير في صحة واستجابة الأفراد الذين يعتمدون الأسلوب الغذائي والرياضي نفسه، فكان تساؤل الأطباء حول العوامل الأخرى خلف إصابة شخص غير مُدخّن ويعتمد نظام غذائي مُتكامل وصحي، ويُثابر على ممارسة الرياضة بأمراض القلب أو سرطان الرئة وغيرها من الأمراض، ومن خلال الأبحاث الكثيرة والمُستمرّة، جاءت النتائج بأنّ الأشخاص الذين لديهم دعم عائلي وشبكة جيدة من الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية أقلّ عُرضةً من غيرهم بخمس مرّات من الإصابة بأيّ مرض مهما كانت حالتهم الجسدية ونمطهم الغذائي.

كما أظهرت النتائج أنّ الأفراد الذين يَحظون بحياة عائلية واجتماعية متناغمة ويُمارسون عملاً يحبّونه، بحيث لديهم هدف أكاديمي أو اجتماعي في حياتهم يكونون أقلّ عُرضة للأمراض بعشرة مرّات من غيرهم مهما كانت طبيعة نظامهم الغذائي، كذلك تبيّن أن الأشخاص الذين يتوافق أن يكون لديهم حياة أسرية واجتماعية وعمليّة جيدة ومُنسجمة، مُضافاً إلى ذلك علاقة زوجية متّسمة بالحب والتفاهم وعلاقات جيدة مع الأبناء؛ هم أقلّ عُرضة من غيرهم بخمسة عشر مرة للإصابة بالأمراض الخطِرة، كما أنّ نسبة شفاء هؤلاء من أيّ مرض قد يُصيبهم أعلى بكثير من أقرانهم الذين لا يحظون بتلك السِمات الحياتية التي تتمحور بمُعظمها حول الحب والدعم العائلي والعلاقات الجيدة والرغبة بالعمل ووجود رسالة في الحياة.

خلاصة تلك الدراسات واضحة ولا تحتاج للشرح والتفسير، ولكن بالرغم من كل تلك الدراسات فإنّ النظام الصحّي العالمي ما زال يعمل وفق إستراتيجية خاطئة قائمة على الفصل بين أعضاء الجسد وعملها وبين العقل والأفكار والعواطف، حيث بيّنت أيضاً دراسات أخرى أنّ ممارسة التأمّل والصلاة والاتصال بالطبيعة من أرض ونبات وحيوان لها نتائج مذهِلة على رفع مستوى جهاز المناعة، وليس ذلك فقط إنما أيضاً لهذه السلوكيات قدرة شفائية هائلة للعديد من الأمراض.

السرّ في التوازن والتكامل

إنّ مفهوم الانفصال الذي ترسّخ في عقول البشر في السنوات الماضية عزّز انخفاض مستوى الصحة رغم ارتفاع وتطوّر مستوى الخدمات الطبّية والأدوية، ومفهوم الانفصال هذا يتمحور حول فكرة أننا فقط أجساد، حيث نقيّم ذواتنا انطلاقاً من الجسد وكأنّ الجسد هو “الذات”، ونسينا أو تناسينا أنّ التكوين البشري هو روح – نفس- جسد، والروح هي الحالة الوجودية الأولى التي ننبثق من خلالها، والنفس أو الفكر بالأحرى هي الطاقة الحركية لتلك الحالة الوجودية، والجسد هو الأداة التي نعبّر من خلالها عن الحالة الوجودية وتلك الطاقة الحركية الصادرة عنها.

عندما يترسّخ الإدراك بتلك الحقيقة يعود الوعي ليُلقي بظِلاله على مفهوم الصحة ونظام الحياة الصحي، بحيث نُدرك بأنّ روحنا أو حالتنا الوجودية لها نظام يُسيّرها وعلينا احترامه ومُراعاته، وإهماله أو تجاهله سوف يُسبّب الاضطراب والمرض، كما أنّ نظام الطاقة من نفس وفِكر له نظام يُقيّده لا بدّ من الاهتمام به ورعايته، لأنّ عدم ضبطه تركهُ ينساق مع عشوائية وفوضويّة العالم المادي سوف يُسبّب حتماً المرض، ويبقى الجسد الذي هو المحصّلة الأخيرة لتلك الحالات، بحيث يؤدّي توازن وانسجام الروح والفِكر إلى جسد صحّي بشكل تلقائي.

والدراسات التي تحدّثنا عنها لم تقتصر على معرفة طبيعة الحياة ونوعية العلاقات الإنسانية والأهداف العقلية للإنسان في تحديد حالته الجسدية، بل تعدّت الأبحاث ذلك لفهم حالة التديّن والتمسّك بالمُعتقدات الدينية المختلفة، التي تدعو جميعها إلى الرضا والتسليم والمحبة والقناعة وتقديس الطبيعة والامتنان للوجود، بحيث بيّنت الأبحاث بأن الأشخاص الذين يعيشون حالة من التديّن، مهما كان شكل أو منحى ذلك التديّن من مذهب أو دين أو فلسلفة معيّنة، فتلك الحاجة الإنسانية عندما تكون مُشبعة بطريقة ما؛ فإن لديها قدرة شفائية وحصانة صحية ونفسية هائلة، ليس فقط تجاه التكيّف مع مصاعب الحياة والظروف والآلام، لا وبل تجاه تقليل الإصابة بالأمراض وحتى الشفاء منها.

إذن نستنتج من كل ذلك أنّ المكوّن الروحي أو الحالة الوجودية لديها حاجات لا بدّ من تلبيَتها بواسطة أي شكل من أشكال الإيمان والتديّن والتأمّل والمُناجاة الوجودية، والطاقة الفكرية والحركة النفسية لديها حاجات تتمحور حول العلاقات الإنسانية والمحبة والتواصل الوجداني بين الناس، والتوق إلى المعرفة وإيجاد هدف للحياة، وهي أمور يجب توافرها، وتبقى العناية بالجسد الحالة الأخيرة التي لا تحتاج إلى مجهود يُذَكر مع توافر التناغم في البُعدين الأولين والأساسيين للتكوين البشري.

في الخُلاصة نقول أنّ التوازن والتكامل هو الحلّ السحري للاحتفاظ بجهاز مناعي جيد وحالة صحيّة جيدة وقابلية عالية للتغلّب على الأمراض والشفاء، وهذا التوازن يمكن تحقيقه بشكل ذاتي واختياري من خلال ما يلي:

أولاً: التأمّل أو الصلاة، أو أي نوع من الطقوس الدينية أو التأملّية الاسترخائية التي نحبّذها، المهم تصفية الفكر والعودة إلى حالة الصفاء والامتنان للخالق أو للوجود أو للطبيعة الأم.

ثانياً: من خلال إقامة علاقات طيبة، سواء مع أفراد العائلة أو الشريك أو الأقارب أو الأصدقاء أو حتى الجيران أو الزملاء.

ثالثاً: من خلال إيجاد عمل أو هدف أو رسالة من حياتنا، بالتالي خلق تحدّيات دائمة ونشاطات مُحفّزة للوعي والمُثابرة، سواء من خلال الانخراط في العمل الاجتماعي أو الخيري، أو عبر الغوص في التحصيل الأكاديمي والتقدّم المعرفي، أو في أيّ هواية سامية وراقية تعزّز الشعور بقيمة الحياة.

رابعاً: الاحتفاظ بالقدرة على الاستمتاع بالوجود مهما كانت الظروف الخارجية، ومهما كان دخلنا المادي ومهما كان شكل بيتنا أو قيمة ممتلكاتنا، ومهما كانت الضغوطات المحيطة بنا، علينا التذكّر دوماً بأنّ كل ذلك زائل، وسوف ينتهي ويُصبح مجرّد ذكريات، علينا أن نتذكّر كل يوم أنّ حياتنا ووقتنا وأيامنا قيّمة، فلا نهدرها بالتفكير والقلق الزائد على أيّ أمر مهما بلغت أهميته.

وعندما نتذكر ذلك نستطيع أن نستمتع بالوجود وأن نشعر بحالة الامتنان لكوننا على قيد الحياة، ونُدرك بأنّ هذه الحياة مهما كانت صعبة وقاسية وأليمة فهي نعمة لا نودّ خسارتها، وإذا تعمّقنا أكثر بالوعي ندرك أننا نحن من نخلق الآلام والأحزان والمعاناة والغضب والقلق من خلال طريقة تفكيرنا ونظرتنا وتحليلنا للأمور، فالواقع يُمكن تغييره ببساطة من خلال طريقتنا في التفكير الإيجابي المليء بالقناعة والرضا والامتنان والصبر، أو التفكير السلبي الرافض والغاضب والناقد، فنعلم تلقائياً أن الطريقة الثانية من التفكير لا تجلب سوى الحزن والألم والغضب والقلق والاكتئاب وعدم الرضا، وبالتالي عدم القدرة على الإحساس بالسلام والامتنان والسعادة والغوص في تفاصيل يُمكن تجاهلها والمضيّ بسلام.

خامساً: العناية بالجسد من خلال اعتماد نظام غذاتي متوازن قدر الإمكان، والقيام ببعض التمارين الرياضية في بعض الأوقات وبشكل مستمرّ، وقد يكون ذلك من خلال العمل العادي والحركة أو بالمشي الطبيعي.

سادساً: الاحتفاظ بطاقة إيجابية من خلال القيام بأيّ نشاط نهواه، مثل الاستماع إلى الموسيقى أو الرسم أو القراءة أو رعاية النباتات والحيوانات أو الأشغال والأعمال اليدوية، كذلك يُمكن رفع الطاقة الإيجابية داخل منزلنا من خلال الألوان المُريحة ووجود الشتول والأزهار، ووجود الروائح العطِرة مثل البخور أو الزيوت العطرية.

سابعاً: أن نتذكّر ونُدرِك دوماً بأنّ الحياة بدون وجود التحدّيات والصِعاب والأزمات والأحزان لا يُمكن أن تكتمل قيمتها، فالراحة والهناء والسلام والفرح تأتي بعد اختبار أضدادها، وأن نتذكّر دائماً وفي كل لحظة بأنّ تلك الحالات كلّها غير ثابتة، فالحياة دورة مُستمرّة علينا تقديرها وتقبّلها كما هي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق