سياسة وتاريخ

كيف هزمت تاريخية القُطرية وهم الأمميات العربية؟

يرتكس عادة العقل العربي في معاودة خطأ فهم الأزمة التي حالت دون دخوله حظيرة العصر وفق مدرات الكينونة وتطورها الفكري والسياسي، حين يتسطح في ممارسة النقد الحداثي باعتبار الإخفاق التحديثي هو المشكل، من دون تفكيك بنى الخصوصية واستكشاف واستنطاق عناصر الرفض، أو حين يتسلح لدى الطرف الآخر بأسلحة الماضي في الدفاع عن فكرة الكيان التأسيسي والأمة الخالدة والعابرة بخلودها كل أبعاد الزمن الثالثة، التي لها من الحصانة والمناعة الذاتية، بحيث أنه تصمد أمام مد التغييرات والمتغيرات التي يموج بها نهر التاريخ المتدفق دوما باتجاه المستقبل، لنحضر في الأخير إلى تساقط كل الإيديولوجيات الأممية العربية السماوية منها والأرضية التي تنزع لمناطحة منطق التاريخ بدعوى وطغوى الخصوصية الذاتية المستمدة من رسالية مسطورة في الأرض أو مذكورة في السماء.

الإخوانية الأممية بمنزع مركزي قُطري

في إحدى حلقات سلسلة الصندوق الأسود التي تبثها قناة القبس الكويتية، أشار المفكر الكويتي عبد الله النفسيي في معرض نقده للتجربة الحركية الإخوانية التي خاض جزء منها في عمره الفكري والدعوي، إلا أنه طالب من الفرع الكويتي فك ارتباطه التنظيمي بالمركز المصري نظرا “للأستاذية” التي مارسها المركز الذي كان ينفي أي مقدرة للأطراف على التدبير الحركي والدعوي، وأنه كان يكتفي بالنظر إلى الفضاء الدعوي الخليجي بكونه صندوق تمويل لا غير.

عبد الله النفسي راح إلى أبعد من ذلك واعتبر أن الفكر الإخواني تكلس نظريا وتطبيقيا، وأضاع ميزة وحيوية بل وضرورة التطور، بسبب فرض المرجعية التجربة القُطرية المصرية خاصة كمسار ونموذج عملي على باقي تجارب القطريات الأخرى، التي لم تعرف ذات المحنة الدعوية المصرية، مبررا بذلك قرار زعيم الإخوان في قطر جاسم سلطان الذي حلَّ التنظيم في قطر بسبب عدم إمكانية نمو الفكرة “الاخوانية” في بلده.

حديث النفسي عن عجز أكبر تنظيم دعوي وسياسي إسلامي في العالم العربي عن استيعاب الظاهرة القطرية في مخياله الأممي، يدفع إلى طرح جملة من الأسئلة المتصلة بمدى تاريخانية الأمميات التي اعترضت ولا تزال عن التشكل التاريخي والجغرافي للعالم العربي وفق مشروطيات الحداثة الجغرافية والسياسية من عدمها، ومنها يتولد الأول والأخير.

هل هذا العجز متأت من بنية الفكر المرجعي لهاته الأمميات، أم لعدم القدرة على استيعاب سياق التاريخ الذي كان يقطع مع الامتدادات الإمبراطورية الأممية الأولى، ممارسة في الجغرافيا والسياسة مع استمرارية وتواصل في الثقافة والتاريخ.

فك الارتباط الغربي بأممية المكان

إذا كانت الشعوب والأمم تمتلك الإرادة والقدرة في صراعات التاريخ على أن تستمسك بالهوية الثقافية والمرجعية التاريخية لكينونتها الخاصة، فإنه بمقابل ذلك قد تفلت منها القدرة على السيطرة على “هوية المكان” التي لها آليات الحماية الخاصة بها تمضي وفق قوة وعدة التدافع التي تحوزها أمام الصراع، وهنا أثبت التاريخ نفسه أن إفرازات تلكم القوة التدافعية قد تتأسس كهوية للمكان، ليس بالضرورة قاطعة مع الهوية الثقافية الأممية الجامعة على صعيد المعنى ليس أكثر.

فالقُطرية الغربية التي تشكلت بفعل تقلبات التاريخ والجغرافيا وانطحان أليم وطويل للإنسان فيها، وأفرزت الوجه الجيوبوليتيكي الحالي، قطعت مع مركزية المرجعية اللغوية والدينية في التأسيس الوطني، وظهرت دول بثلاث لغات وثلاث عرقيات كما هو الشأن في سويسرا بثالثوها الوطني الإيطالي الألماني الفرنسي، مع إقصاء الدين من معنى الوجود الجمعي وجعله عنوانا للفرد وليس للجماعة السياسية إلى حد ما.

استطاع العقل المتحرر من أثقال خيال الماضي والمندفع من الحاضر بقوة صوب المستقبل، أن ينتج معان جديدة للكينونة “القُطرية” على أنقاض مكنونات التأسيس الأولى التي تتجاوز أسئلة الخصوصية الثقافية الجزئية.

ذلك لأن الفكر الغربي ينبني أساسا على قيم المواطنة بوصفها تعبيرا عن إرادة الفرد في العيش بحرية وتحرر من قيود الفكر الاستجماعي الحشدي الذي يروم تجسيد حتى الوهم كمشروع للأمة ذات الخاصية والخصوصية، على شاكلة ما مارسه قادة الإمبراطوريات السابقة وآخرهم القائد النازي أدولف هتلر.

الهويات اللاتاريخية

عكس التجربة في الغرب، العرب لا يصنعون الكينونة التاريخية بل يتصورنها ينحتونها من المخيال المرتجع دوما للماضي المستريب من هذا الحاضر الموشوم لديهم دوما بالعاهة الاستكبارية الاستعمارية، الخوف من الآخر ومن كل ما ينتجه الأخر من غير المادة، هو ما يعتلل صحة العقل العربي، وأحسن من صور فكرة التناقض الحاصلة في الرؤية للآخر المهيمن على التاريخ اليوم من قبل العرب هو السوسيولوجي العراقي علي الوردي حين قال “لو أن الشعوب العربية خيرت في الانتخاب بين مشروع الدولة العلمانية والدولة الإسلامية، لانتخبت الدولة الإسلامية ولارتحلت للعيش في الدولة العلمانية في الغرب” طرافة تمتد في عمق الوعي المعاق الذي ركب في العقل العربي، الذي يعترف بواقع قوة الآخر دون تدبر عناصر القوة تلك، ويواصل ممارسة أسباب ضعفه في التاريخ.

البعثيون العرب بنوا وهم الوحدة والإمبراطورية القادمة في زمن الانزياح الإمبراطوري على رسالة خالدة لأمة عَسُر العثور على رميمها حتى في المقابر الحديثة، كي نتكلم عن رسالة لها، فضلا عن وصفها بالخلود، البعث كان عبثا فكريا وسياسيا زاد من منسوب الدم والقهر والتقهقر في المشهد السياسي والثقافي العربي، أكثر مما زاد من منسوب الأمل في رسم إطار للكينونة خال من طغوى الهوية القسرية التي لم يثبتها الزمن في بعده الماضوي، ويأبها وفق حاصل التحولات في أن يثبتها الحاضر والمستقبل، اختزال الكينونة بالمكان عبر إلباس وتلبيس هوياتي خاطئ هو عين أزمة الغرب، والاغتراب الذي يعيشه العقل العربي المستأنس دوما بهاجس درء التغريب.

ضرورة تجاوز حتمية الأممية المكانية الموحدة

إذا تتطور معطيات الكينونة بكل عناصرها وعناوين ومضامين المؤسسة لمعنى الانتماء فيها في الفكر الإنساني، ولكنها تغيب عنها في العقل العربي بسبب شذوذه عن المساقات الحداثية ورفضه لها بالجملة بحسبانها دنسا بشريا ويستدعى في سبيل البرهنة على ذلك بأخطائه في الحضارة الحالية من استعمار واستدمار واحتكار، في حين يُغض الطرف كله عن عورة الماضي وينظر له ككتلة خير واحدة نام العربي واستفاق ووجدها قد صارت حصيدا بفعل الآخر!

من هنا تكلس الفكر الحركي بكل أممياته بما في ذلك تلك التي ادعت حمل الاشتراكية العربية، والغريب أن الانحباس المميت في تطوير مصادر بناء الكينونة وتطورها لم يضر فقط الإطار الحركي الأممي بل أضر بمسيرة البناء القطري، وليخلص العربي إلى أزمة اغتراب تاريخي حضاري مهولة فلا هو استيقن القُطرية المعتورة لكونها نتاج استعماري ورجس من عمله وتدبيره الشيطاني، ولا هو استطاع أن يتحدى توجه التاريخ ويرتكس للأممية فيجسدها على أرض الواقع لاندحارها في منطق التاريخ، وبذلك الانحباس لا الفكر تغذى عن أسئلة الواقع باعتباره فكرا منغلقا منغمسا في طروحات الماضي وأقداسه المكذوبة يعيد فقط إنتاج نفسه، ولا الواقع تغذى عن الفكر لهيمنة اللامشروع على هذا الواقع، وبالتالي ظل العربي تائها في مسارح التاريخ ومصارع الجغرافيا التي كلما سالت نفطا سالت دما.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق