ثقافة وفنون

كيف عالج الفلاسفة مسألة المعتقدات الدينية

كيف عالج الفلاسفة مسألة المعتقدات الدينية، يواجه الاعتقاد الديني أزمات لا تعد في العصور الحديثة. يبدو أن التغييرات العلمية والاجتماعية المتسارعة كانت سببًا رئيسيًا في تراجع مركزية الدين. قبل 450 سنة كان الناس يعتقدون أن الأرض مركز الكون. وحتى 250 سنة مضت ظن الدارسون أن عمر الكون لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين. ومنذ 150 عامًا ساد الاعتقاد أن حالة الأرض هي نتاج ملايين السنين من التغير الجيولوجي، لكنهم كذلك كانوا يؤمنون بأن الكائنات الحية خلقت بواسطة الرب لغاية ما. وعلى مدى 500 عامًا من التطبيق الحثيث للمنهج العلمي والتفكير الحر دون الاحتكام للسلطة الدينية تغيرت نظرتنا للكون والحياة. وبعد هذا يطرح سؤال نفسه: هل لازال بالإمكان اعتبار الإيمان بالدين عقلانيًا؟ يظهر أن الإجابة ستكون بالنفي في حال تعارض العلم مع الدين، وعليه نصيغ السؤال بالشكل التالي:

هل الاعتقاد الديني غير علمي بالضرورة؟ لدينا ثلاثة احتمالات:

1- الاعتقادات الدينية تناقض الاكتشافات العلمية.
هذا إدعاء صريح ومباشر، إذ تتعارض كثير من الكشوف والنظريات العلمية مع النصوص الدينية (عمر الأرض بضعة آلاف سنة حسب سفر التكوين يناقض الجيولوجيا.. قصة الخلق في الأديان الثلاثة تتعارض مع نظرية التطور) وعلى سبيل المثال فإن تحول عصا موسى لحية تسعى هو إدعاء غير مقبول علميًا. نحن نعرف أن الطبيعة لا تعمل بهذا النحو.
كتب ديفيد هيوم: من العقلاني افتراض أن التقرير عن المعجزة خاطئ بدلًا من الاعتقاد أن قوانين الطبيعة توقفت عن العمل.
2- التمسك بالاعتقادات الدينية يتم بطريقة دوغمائية.
بمعنى أن تكون معتقداتي تشكلت بطريقة عصية على الدحض والمناقشة وترفض الأدلة التي تبين خطأها.
فالمصلون للاستسقاء سيدعمون صحة اعتقادهم لو أن السماء أمطرت. لكن لو لم تمطر سيعتبرون أن الله أراد ذلك لسبب ما (لمصلحتهم أو بسبب معصيتهم..) وهذا لا يعني أي شيء!
3- الاعتقادات الدينية فوق العلم!
يتعلق هذا الاحتمال بالرؤى التأملية لقضايا تقع وراء ما يمكن للوسائل العلمية استكشافه. وهذه الرؤى تتأثر برغبات ومخاوف الفرد.. وهكذا نتوصل إلى أن الدين يعتمد التفكير الرغبي.

 رهان باسكال

ثمة كثير من الحجج قدمت بناء على هذا التفكير وأشهرها “رهان باسكال”.
كان باسكال فيلسوفًا ورياضيًا بارعًا له إسهامات علمية عديدة، وفي الوقت نفسه كان مؤمنًا مسيحيًا فقدم رهانه ليدعم اعتقاده.
يتلخص رهان باسكال كالآتي: لدي خياران فيما يتعلق بالإيمان المسيحي: أن أؤمن أو لا أؤمن. وفي حين يتساوى الاحتمالان في صوابيتهما فالإيمان سيغدو عقلانيًا حين أعلم أني سأفوز بنعيم أبدي إن آمنت وكان الله موجودًا. ولن أخسر، سوى بعض المتع الدنيوية، لو لم يكن الله موجودا. لكن عذابي سيكون أبديا لو لم أؤمن وكان الله موجودا.
ثمة اعتراضات كثيرة على هذا الرهان. فالاعتقادات تتحدد حسب عوامل عدة: الخبرة الحياتية، الأدلة، التعليم، الفهم، المصالح الشخصية والرغبات.
أدرك باسكال هذا، فاقترح أن يوجه المرء نفسه تجاه الإيمان عبر الانخراط في الطقوس الكنسية والتعبدية.
لكن ما الذي يجعلني متأكدا أني أعبد الإله الصحيح؟

جيمس والخيارات الحية

يرى ويليام جيمس أن مفهوم باسكال مضلل ويسلب الإيمان حيويته. واقترح رؤية بديلة تتلخص في أنه حين يتعرض المرء لخيارات حية فإنه من الصواب اختيار ما هو ملائم لمصالحنا. وبالنسبة للتعارض مع العلم الحديث فإن جيمس الذي كان نفسه عالما متمرسًا يرى أننا لا نعيش حياتنا دائمًا في مختبر وهناك أوقات يكون فيها العلم غير ملائم. فالمريض الذي يؤمن أن صلاته قد تشفيه، سيكون من المفيد أن يظل على اعتقاده طالما أن هذا سيعزز فرص شفائه.
لم تلق ملاحظات جيمس قبولًا عامًا إذ أنها تمنح ترخيصا للتفكير الرغبي. لكن جيمس يصر أنه ينبغي دراسة الخبرات الدينية جديا وبانفتاح علها تكون نوافذ على أبعاد أخرى، رغم أنه يفترض من العلم تفسيرها كتأثير لتبدلات كيميائية في الدماغ.
 هل حقا يجب أن يكون الإيمان عقلانيًا؟
يطرح المفكر الدنماركي الكبير كيركيغارد هذا السؤال: لماذا يجب على المؤمنين المساءلة في محكمة العقل بأي حال؟ أليس الإيمان الديني حسب طبيعته، غير عقلاني؟
ويبدو هذا الطرح مقنعا، فلو كان الإيمان عقليا لن يعود هناك أي ميزة أو أفضلية للإيمان، حسب المحتوى الديني!
لكن هل يريد الله مؤمنين عميانا يعارضون العقل الذي خلقه لهم؟! يبدو أن حجة كيركيغارد ليست إلا محاولة للتهرب من نقاش عقيم.

نيتشه: مات الإله!

تتلخص أزمة الدين في العصر الحديث في كونه لم يعد يتمتع بالسيطرة الثقافية. فيما مضى كانت المؤسسات الدينية تتمتع بسلطات تخولها التدخل بالشؤون العلمية، الفنية، الأخلاقية، السياسية.. وكانت “الحقائق” حول الطبيعة والحياة تستمد بشكل رئيسي من الكتب المقدسة. كانت الكنيسة (أو المفتي) تقع في قلب الحياة الاجتماعية. اليوم اختلف الأمر، ما عاد الدين مركز الحياة. قبل ثلاثة قرون، في عصر التنوير، ساد الشك بالدين في أوساط المفكرين، ومع انتشار التعليم شاع بين عموم الناس. تستمر اليوم الأبحاث والنقاشات في العلوم الاجتماعية والطبيعية والفلسفة والفن دون أي دور ومداخلة للدين.
لخص نيتشه خسارة الذين مصداقيته وإزاحته خارج محيط الثقافة بجملته الشهيرة: لقد مات الله!

 عقلانية الدين!

تتلخص عقلانية الدين في تخلصه المستمر من محتوى عقائده. في القضايا التي تنازع فيها العلم أجبر الدين على التراجع. لم يبق للدين سوى حيز غامض لم تطأه بعد تساؤلات العلماء: بعد الموت.. كائن فوقي.. الغاية.. أساس حقيقتنا الزمانية-المكانية.
يقول البعض أن الممارسات الدينية ستبقى طالما يختبر الناس هكذا مشاعر وآمال ورغبات وتسعى للتعبير عنها.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى