ثقافة وفنون

كيف صورت السينما المصرية العلاقة الجنسية؟ نظرة تاريخية حول المحظور والممنوع

كثيرًا ما نسمع عن المعارك التي يخوضها صناع السينما مع الرقابة وكلاً له وجهة نظر حول طرحه لهذا الموضوع أو حجبه، ودائمًا تأتي قضايا الحجب والمنع عندما تشتبك السينما مع الثالوث المحرم ” الجنس والدين والسياسة” واشتباك السينما مع أحد هؤلاء الثلاثة يجعلها في مرمى سهام المنع والحجب.

وكما يعلم الكثير أن السينما هي فن غير عربي المنبع حيث تنحدر جذوره من شرق أوربا وبالتحديد من عاصمة النور ” باريس” وذلك في نهايات القرن التاسع عشر، ولأن هذا الفن وافد من ثقافة وبيئة مختلفة بالإضافة إلى الإيدلوجية الفكرية المختلفة عن الثقافة العربية، لتأتي من هنا نقطة الخلاف هل سينقل الفن  كما هو في الغرب أم أن السينما ستحتاج لمحاولة تطبيع ومعالجة للبيئة الجديدة التي ستزرع فيها؟

كيف صورت السينما المصرية العلاقة الجنسية؟

جاءت قضايا الحب والعشق في السينما العربية ضمن أهم هذه القضايا التي خاضت الرقابة سواء الاجتماعية منها أو الرسمية صراعاً على طريقة تناولها للمشاهد الحميمة والجنسية داخل الفيلم.

فيلم قبلة في الصحراء

وفي عام 1927 جاءت أولى المشاهد الحميمة في السينما المصرية وذلك من خلال فيلم “قٌبلة في الصحراء” وهو من أوائل الأفلام المصرية الطويلة شارك فيه عدد كبير من الممثلين المصريين والأجانب منهم إيفون جوين وبدر لاما وأنور وجدي ومحمود المليجي.

وتدور قصة الفيلم حول شاب بدوي مصري يقع في حب سائحة أمريكية ويتخلل هذه العلاقة عدة مشاهد حميمة بينهم، وصلت في بعضها حتى العري التام كوصلة رقص هاليدا دون ملابس تغطي عورتها.

وعلى الرغم من أن الفيلم كان صامتًا وكان الحوار يكتب على شاشة العرض إلا أنه لم يخلو أيضًا من تلك العبارات العارية من قيم وأخلاق المجتمع المصري وهو ما دفع الصحف والمجلات المصرية كروز اليوسف والصباح لشن هجمات عليه أدت إلى وقف عرض الفيلم ومنعه من مصر.

فيلم مأساة الحياة

وفي عام 1929 كان العرض الأول لفيلم مأساة الحياة، يأتي الفيلم بجملة مشاهد جريئة تميل إلى العلاقات الجنسية الكاملة والصريحة، وقد تطرق الفيلم إلى شخصية البغي وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تناول شخصية الفتاة اللعوب وقد تعرض الفيلم للمنع من قبل الرقابة.

فيلم أولاد الذوات

وفي عام 1932 جاء عرض أول فيلم عربي ناطق وتعرض الفيلم لعلاقة الرجل بالمرأة وقضايا التحرر وهو من بطولة يوسف وهبي وأمينة رزق ودولت أبيض وأنور وجدي وسراج منير، و الفيلم كان يحاول توصيل رسالة تهدف إلى الابتعاد عن زواج الأجنبيات وهو ما أدي إلى غضب الجاليات الأجنبية المتواجدة في مصر آنذاك وطالبت وزارة الخارجية الفرنسية وقف العرض الفيلم.

وفي عام 1944 جاء عرض فيلم البؤساء والمأخوذ عن الرواية الشهيرة لفيكتور هوجو البؤساء، وشهد الفيلم ظهور شخصية البغاء والعاهرة حيث مثلت دورها الفنانة الراحلة أمينة رزق وبعد هذا الدور تحولت أمينة رزق لتصبح نجمة إغراء.

شهد عام 1950طرح فيلم “بابا عريس” وهو واحد من أهم الأفلام المصرية لكونه أول فيلم مصري وعربي يتم انتاجه بالألوان الطبيعية وفيه تم استعراض الجنس بالألوان وبطريقة تلقائية والفيلم كان من تأليف وإخراج حسين فوزي.

تدخل العلاقات الحميمة في السينما المصرية إلى مرحلة جديدة أثرت على الوعي الجنسي لدي الكثير، ففي عام 1956 يُعرض فيلم شباب امرأة والتي تظهر فيه تحية كاريوكا بالسيدة القوية التي تشتري الرجال وتتحكم في مصائرهم وفيه  تغوي شكري سرحان ليقع في شراكها ويقيم العلاقات المحرمة معها.

وفي عام 1958 تولد مقاييس جديدة للجمال والإغراء مع ظهور نجمة إغراء جديدة وهي هند رستم، ففي هذا العام عرض فيلم باب الحديد والذي صاحبه ظهور فانتازيا جديدة من الإغراء تعتمد على الإغواء من خلال الحركات والإيماءات الكلامية مع ملابس جريئة.

تدخل السينما المصرية مرحلة جديدة مع العلاقات الجنسية وذلك خلال عام 1968 عندما عرض فيلم مطاردة غرامية للراحل فؤاد المهندس، والفيلم يتعرض لقضية الـ Fetish الجنسي أو الانجذاب الجنسي نحو جزء محدد من الجسم دون غيره، وهي قضية الانحراف الجنسي إلى شيء ضمن مجموعة من الأشياء كالقدم أو اليد، الغريب والعجيب أن هذا الفيلم لم يتعرض لأي انتقاد من قبل الرقابة!

مع بداية السبعينات تدخل السينما المصرية مرحلة جديدة في معالجة قضايا الجنس والحب، ففي عام 1971 تحدث ثورة في المعالجة من خلال فيلم “سيدة الأقمار السوداء” الفيلم من إنتاجه في لبنان من قبل مجموعة أفلام الأرز، ومن تأليف وإخراج سمير خوري وبطولة حسين فهمي وناهد يسري.

وتتعرض قصة الفيلم للشهوة الجنسية لأحدى السيدات ” ناهد يسري ” فشهوته تستيقظ مع اكتمال القمر بدراً وتصبح السيطرة على شهواتها شبه مستحيلة، وقد تجاوز هذا الفيلم كل الخطوط الحمراء وذلك من خلال مشاهد صريحة لجنس جماعي ونهود وأرداف، يشار إلى السبعينات بأنها الفترة الذهبية لسينما التعري.

وفي عام 1973 جاء فيلم “حمام الملاطيلي” ليتعرض إلى قضايا الشذوذ والانحراف الجنسي كالعلاقة المثلية  بين بطل الفيلم والفنان التشكيلي حيث يحاول الخير إغواء الأول بإقامة علاقة شاذة معه، ويعد هذا الفيلم من أوائل الأفلام المصرية التي تعرضت لقضية الشذوذ الجنسي كما أن الفيلم لم يخلوا أيضاً من المشاهد الشبه عارية للفنانة المعتزلة شمس البارودي.

ومع فيلم “ذئاب لا تأكل اللحم” تتدخل السينما المصرية والعربية مرحلة جديدة من الانفتاح نحو التعري، مخرجه أيضًا هو نفس مخرج “سيدة الأقمار السوداء” الفيلم ينتمي لنوعية أفلام المغامرات والإثارة حيث بلغت ميزانية الأفلام أضعاف أنتاج فيلم في عصره.

صور الفيلم بالكامل في دولة الكويت وفيه ظهرت ناهد شريف وهي عارية تمامًا كما جمعت مشاهد جنسية بين ناهد شريف وهي عارية وبين الفنان محمد منصور والفنان الراحل عزت العلايلي، ليصنف الفيلم كأول فيلم مصري وعربي يصنف ضمن الأفلام الإباحية.

تأتي مرحلة الثمانينات لتكون أشد حدة من السبعينات وفيها يلمع نجم فنانات كنجوم إغراء مثل ونادية الجندي والتي قدمت عدة أفلام كان محورها الجنس أو نستطيع القول بأن الجنس كان محرك هام للأحداث لعل أشهرها فيلم “ خمسة باب ” عام 1983 والتي تدور قصته حول سيدة تمارس مهنة البغاء تحاول إغواء ضابط الشرطة الذي يعمل مشرفاً على حي البغاء، يشار إلى أن نادية الجندي استطاعت أن نكون نجمة الإغراء الأولى خلال هذه الحقبة.

ومع حقبة التسعينات بدأت التيارات الدينية تأخذ وضعية اجتماعية أفضل من ذي قبل حيث بدأت الدولة المصرية تسمح لهم بممارسة الأعمال الدعوية داخل المساجد، لتتدخل السينما في مرحلة جديدة وهي مرحلة السينما النظيفة والتي شهدت اتجاه الكثير من الممثلات إلى ارتداء الحجاب مع اختفاء مشاهد القبلات والسرائر داخل السينما؛ لكن هذا لم يمنع من كسر البعض لهذا النمط.

يأتي فيلم النوم العسل على رأس هذه القائمة والذي صدر عام 1996 وتتعرض قصة الفيلم لقضية العجز الجنسي الذي أصاب الرجال دون معرفة أسبابه ويحل الغموض والتخفي حول هذه اللعنة وحاول صناع الفيلم أن يقدموا معادلة موضوعية بين العجز الجنسي والعجز السياسي الذي أصاب البلاد!

مطلع الألفية الجديدة يقدم الكاتب علاء الأسواني روايته الشهيرة عمارة يعقوبيان كفيلم سينمائي يصبح حديث مصر كلها عام 2006 فمن خلال هذا الفيلم تطرح قضية المثلية الجنسية والشذوذ داخل قاعات السينما، هذه المرة تتناول العلاقة من الناحية الدينية كالحوار الدائر بين باسم سمرة وخالد الصاوي و يحمل الحوار في ثناياه الصراع الأيدلوجي بين التحرر من كل شيء وبين التحرر مع وجود الضوابط الاجتماعية والدينية.

ويسدل الستار على فيلم حلاوة روح والذي طالته يد المنع الحجب والمنع لا لأنه يحتوي على مشاهد جنسية ولكن لأن قصته ذات طابع جنسي من الأساس فنجد طفل لم يبلغ بعد عامه الخامس عشر ” كريم الأبنودي ” يقع في حب المرأة الناضجة ” هيفاء وهبي ” وقد علل رئيس الوزراء المصري آنذاك إبراهيم محلب وقت صدور الفيلم عام 2014 بأنه فيلم ” قليل أدب “.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى