علوم وصحة

كيف توصل أول «قرد» سار منتصبًا على قدمين للغة البشرية؟

تستخدم الحيوانات نظامًا أوليًّا للتخاطب: الرقص عند النحل، قرون الاستشعار عند النمل، الصدى عند الخفافيش.. إلخ، لكن هذا التواصل يظل مقيدًا بإشارات لعناصر موجودة فقط في البيئة مثل الرغبة في التزاوج أو التحذير من خطر. بينما اللغة البشرية عندنا هي لغة لا نكتسبها من الطبيعة بل عبر التوريث الثقافي، لكننا نمتلك الأسس الوراثية والدماغية التي تتيح لنا تعلمها، على عكس الشمبانزي الذي عجزنا عن تعليمه أكثر من 150 كلمة! إذن يجب أن نعود إلى ما قبل ظهور الجنس البشري لتتبع منشأ هذه القدرة السحرية، إلى الاتصال الصوتي.

يرجع استخدام الصوت كوسيلة اتصال إلى أسلاف الضفادع قبل 170 مليون سنة، إصدار الصوت يقع تحت سيطرة الجزء الأيسر من الدماغ عند الحيوانات، الكلام البشري استفاد من التكيفات السابقة في الحبال الصوتية وتوزيع مناطق المخ منذ سلفنا المشترك مع الفقاريات.

وقد منحتنا أسلافنا الثديات، الذين سيطروا على العالم في أعقاب انقراض الديناصورات، عيونًا أمامية ورؤية مجسمة وملونة وأيادٍ قابضة؛ هذه خصائص تنتج تكيفات سلوكية جديدة تفيد الثديات الاجتماعية، كغلبة الرؤية واللمس على السمع، والتواصل بالإيماء والحركة بدلًا من الصوت، يفترض أن تعزز هذه الإيماءات بصوتيات تعطيها معنى. لقد دعم اكتشاف الخلايا المرآتية عند الرئيسيات هذا الافتراض، هذا النظام من الخلايا يسمح بمطابقة الحركات المرئية التي يؤديها الآخرون عقليًا، أي بناء تمثل ذهني لما يفعل الآخرون، هذا النظام هو ما يجعلنا نستثار حين نتابع فيلمًا حماسيًا أو نؤدي لعبة فيديو مثيرة. يبدو أننا ورثناه من السلف المشترك للقردة العليا قبل 30 مليون سنة.

قبل 16 مليون سنة انفصلت القردة العليا ذات الدماغ الكبير وأصبحت الآن الغوريلا والأورنجتان والشمبانزي والبنوبو ونحن، الدماغ الأكبر سمح بتمثيل معزز للأشياء ذهنيًا، حل المشكلات عقليًا وليس من خلال التجربة والخطأ، والربط بين الأشياء لتكوين طلبات بسيطة، إذ تطورت الفصوص الجبهية المسؤولة عن التخطيط المستقبلي وبعض القدرات الحركية والتذكر البعيد.

قبل 6 ملايين سنة ظهر سلف الجنس البشري، أول القردة التي سارت منتصبة على قدمين، تجوب ضفاف الأنهار، وتقطف الثمار وتحمل أبناءها، تستخدم الرمي للدفاع عن نفسها،وتوظف يديها المتحررة في الأنشطة الاجتماعية والتواصل فيما بينها. لكن اللغة النحوية الحقيقية ربما لم تظهر إلا مع الجنس هومو قبل مليوني سنة مع ظهور أول نوع هومو، كان أول من صنع الأدوات الحجرية وعاش على الصيد والالتقاط ضمن جماعات وأسر، وبنى أكواخًا بسيطة. هذه مهارات تحتاج للغة معقدة، وعلماء الأعصاب الذين درسوا جماجم هومو هابيل وإرغاستر يعتقدون أن لديها منطقة بروكا متطورة (منطقة تلعب دورًا هامًا في إنتاج اللغة البشرية في الجانب الأيسر للمخ) وهناك أدلة أثرية على وجود تخصص دماغي لديها.

وقبل 1.8 مليون سنة بدأ الانسان المنتصب بالهجرة خارج إفريقيا، مستعمرًا أقاليم قصية ومتباينة، منتجًا تكيفات أكثر تطورًا، متوسعًا في جماعاته. يحتمل أن هذا النمط المعقد الذي فرضته الضغوط الاجتماعية وحسابات التنافس والتعاون ساهم بارتقاء اللغة: الإدراك التعاقبي لعدة عناصر غير مرتبطة واستنتاج سمات مشتركة فيما بينها. هذا ما تحتاجه لتكوين جملة بسيطة من فعل وفاعل ومفعول به. منح هذا سمة أخرى وهي التنقل العقلي اللاخطي في الزمن والمكان.

كانت اللغة البشرية إشارية، ولا زالت آثارها لليوم تظهر في تعابير وجهنا وحركات أيدينا وأجسادنا، ثم حلت الأصوات محلها. صاحب هذه المسيرة تأثيرات وتناظرات انتخابية شكلت حلقات تطورية تدعم بعضها وتسهم في تنامي قدراتنا العقلية والاجتماعية والجينية كذلك. ما يمكن قوله أنه قبل 50000 سنة اكتمل نضوج اللغة البشرية رغم أن إمكانيات هذا النضوج كانت قائمة إلا أنها لم تتوج إلا في النوع الذي يسمي نفسه “الإنسان العاقل”.

اقرأ أيضًا: شبح اللغة الأم الأهم.. 7 مشكلات في تعليم اللغة الإنجليزية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق