مدونات

كيف تكون بائسًا وراضيًا؟!

يتلخص هذا المقال في مقولة الشاعر الكبير هشام الجخ حينما سرد في أحد قصائده هذه الكلمات:
“شعور سخيف
إنك تحس بإن وطنك شيء ضعيف
صوتك ضعيف
رأيك ضعيف
إنك تبيع قلبك وجسمك
و إنك تبيع قلمك وإسمك
ما يجيبوش حق الرغيف”

هنا تتلخص الحقيقة، أن ما أتعس أن تقرأ وتتعلم في مجتمع ضربت جذوره بالفساد والجهل، فتعفن كل شيء فيه حتى صار حطامًا..

تبدأ الحكاية دائمًا، من حلم يداعبك، نهاية بكابوس يطاردك، يجعلك ناقم على مجتمع، تفشى فيه الفساد والواسطة، وأصبح من العسير على مجتهد أن يصل، إلا إذا قدر أن يربط القطار ويجره بأذنيه!

تبدأ المأساة عندما تفتّح وعيك على قراءة كتب التنمية البشرية التي تؤكد أن لكل مجتهد نصيب، فتغرق نفسك في الاجتهاد، حتى تسحب ماء البحر كله بملعقة من النحاس، تفرح كثيرًا أنك ستصل إلى حلمك، بل ربما تصرخ مثل نيوتن وتقول وجدتها وجدتها، وتبدأ التجربة لتحقيق ذلك.

يصدمك الإخفاق، تصلح من سلبياتك الموجودة، بل ويأخذك الوسواس أن تصلح أخطاء ليست بك، تبدأ بوضع خطة طويلة الأمد لحياتك، وتقسمها إلى خطة سنوية، ويومية، حتى تصل إلى مرحلة الاستغلال الأمثل للوقت عن طريق تطوير قدراتك بدورات تدريبية، ومذاكرة كل ما هو مفيد لتحقيق أحلامك، ومع هذا الجدول القاسي للوصول، تتحول إلى إنسان آلي، شخص يقرأ يوميًا، ويطور نفسه بكل ما هو جديد، تبدأ تحدثك الأنا أنه لا ينقصك شيء، عليك المحاولة من جديد.

تذهب لمقابلة العمل، تجد أغلب من يحاولون معرفة أستاذ فلان، تدخل، يطرح عليك أسئلة معقدة عن الوجودية، لا يستطيع سقراط إذا أحييناه من مرقده أن يجيب عليها، تخرج وتسمع بأذنيك.. أنت من طرف أستاذ كذا، أنت اتقبلت، تثار في ذهنك أشياء من قبيل.. إذا كانت الوظائف محجوزة للمعارف، فما فائدة كل هذه الإعلانات في الجرائد والصحف، ثم تصرخ بصوت عالٍ، وكأنك اكتشف شيئًا مثيرًا، نعم إنها مسرحية!!

يتسرب الحزن إلى قلبك، وتبدأ بتمزيق كل كتب التحفيز، وكل كتب تخصصك، ويخيل إليك أن قصاصات الورق الملقاة على الأرض هي قطع متناثرة من حلمك، تخاطبك، تحاول أن تكتم الصوت لتخلد إلى النوم، لكن تطاردك الكوابيس، وكأنها أشلاء حلمك، تنعزل لفترة ليست بالقليلة، وتفكر كالفلاسفة، فتجد أن الوطن كله معبأ بأهل الثقة، وليس أهل الكفاءة، فالوزير يجلس على كرسي الوزارة حتى يذكره الموت، لا يهم إن كان مشلولًا أو عاجزًا، وكأن ليس في الوطن كفاءة غيره!!

تبدأ في إدراك الحقيقة، وأنه وجب عليك السفر لتحقيق أحلامك، فتكتشف أن العمر قد مضى، حينها فقط تتذكر مقولة نجيب محفوظ:
“يا للعجب. إن مصر تأكل بنيها بلا رحمة. مع هذا يقال عنا إننا شعب راض -هذا لعمري منتهى البؤس-. أجل غاية البؤس أن تكون بائسًا وراضيًا. هو الموت نفسه. إن الجاه والحظ والمهن المحترمة في بلدنا هذا وراثية”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق