مدونات

كيف أعادتنا كتابات باولو كويلو لقراءة التراث الإنساني؟

كتابات باولو كويلو، رواية ” ألف” و القطار المتّجه نحو الشرق الروسي

يضع باولو كويلو قارئه على جادة طريق تأمّليّ، دونما عناء يأخذ الكاتب بيد قارئه من يوميات عادية وإيقاع  يومي متكرر، نحو رحلة استثنائية.

هذه المرة لم يترك سانتياغو[1] يقوم بالرحلة بدلًا عنه، كان الحدث متصلًا به، في رحلة تتحول أحداثها تدريجيًا نحو عالم الأحلام والرؤى.

رحلة بحث عن شيء ما مختلف عن الكنز في “الخيميائي”،ففيها كان الهدف معلومًا،  لكن في ألف” تتساءل: ما الهدف من كلّ هذا؟

وهذا هو لبّ الموضوع، أن نعرف لِمَ يحصل معنا كلّ ما يحصل؟، فنحن نتساءل كثيرًا عن جدوى ما يحدث لنا إذا كان الأمر مأساويًا، أما إذا كان شيئا مفرحًا فلا يهمّ، أو كان شيئًا يدعو للتفكير فإنّنا ندع التخمين فيه إلى أمور نراها أهم، في حين يكون في إجابتنا عن السؤال ربّما، خلاص لنا.

“ألف” بمعانيها المتجذرة في الشرق الأصيل روحيًا، المتصّلة بالفضائل ومعاني الألفة والتآلف والاتحاد في العربية[2]، وبالتعلم واتصال السماوي بالأرضي والروحي بالجسدي، ورمز الخصوبة والعطاء المتجدّد في العبرية، هي باختصار اللبنة التي بنى عليها الكاتب ما أراد الانتهاء إليه في عمله الروائي، في رحلة عبر خط ممتد للقطار من غرب روسيا حتى شرقها، رحلة تتغير فيها الأماكن، والوجوه، والحاجات، لكن القطار يظل ماضياً نحو وجهته، ما يوحي للكاتب أن الحياة ليست المحطة، إنما هي القطار.

من الشّك إلى اليقين، ومن التعلّق بالأجساد إلى التعلق بالأرواح، ومن الحبّ الشهواني إلى الحب الطاهر، ومن نكران الذات إلى احترامها وتقبّلها، صراعات كثيرة تتجاذب الإنسان في حياته اليومية، عبّر عنها الكاتب في قصّة رحلة كانت في آن أرضية وسماوية، رحلة في المكان والزمان، رحلة لإعادة إعطاء معنى للحياة التي يحياها، وتغيير نمطية الوجود الإنساني.

اعتمادًا على الحدس، واستسلامًا لصوتٍ داخلي ينبئ بأنّ اكتشافًا عظيمًا على وشك التحقّق، وأولى تلك الاكتشافات أن لا شيء عبثي الوجود، ولا وجود للمصادفة، وأنّ الكون مليء بالعلامات التي يمكنها أن تقود كلّ واحد نحو وجهته التي خُلِقَ لأجل السير نحوها، وهدفه الأسمى الذي ينبغي له أن يبذل ما في وسعه لإيجاده، حتى لو طال به الأمد.

قد يكون هذا الصوت الداخلي هو اللغة الكونية التي يمكن للكلّ فهمها لو أولَوها آذانا صاغية، لكنّ صفاءه من كدر الوساوس الشيطانية التي قد تحيد بمعناه  الأصيل الفطري عن الوجهة الأسمى مرهون لا بالإرادة في التغيير فحسب، وإنما بشجاعة النفس الإنسانية في مواجهتها لما قد يوهن رغبتها و يُخَوّفها من خوض معركة التغيير.

لكي ندرك حقيقة الأمر نحتاج لمرايا أرواحنا، يرى باولو كويلو أنّ الغريب الأجنبي عنا هو من نحتاج إليه ليعرّفنا مرّة أخرى على ذواتنا، قد يكون محقّا في ذلك وقد يكون مخطئا.

للكلمات وقعها على أرواحنا، فهي دموعٌ خُطّت على الورق، وليست الدموع سوى كلمات بحاجة إلى ألوان، وبدونها لا وجود لبهجة عارمة، ولا لنهاية للحزن.

وكما تتأذى أحيانًا كثيرة أجسادنا، فكذلك أرواحنا قد يمسّها الأذى، قد لا تكون هناك حاجة ماسة للنظر في جروح أجسادنا أثناء علاجها، لكنّ علاج جراحات أرواحنا يحتاج منا التطلّع إليها والنظر فيها مباشرة، ومواجهتها، لذلك فالحاجة إلى الغريب قد تنتهي، إذ يمكننا أن نمارس هذا الدور ونكون غرباء عن أنفسنا، فنتطلّع إليها تطلّع الغريب، مُلقين الضوء على ما كان مظلمًا، وما ينبغي لنا رؤيته حقّا.

وقفة العلاج:

تحتاج بعض العزلة التي قد تكون مفيدة لنا، والتي يمكنها أن تفتح لنا بابًا جديدًا للتواصل مع الآخر بكلّ صفاء ومودّة.

هؤلاء الآخرون قد يكونون أصدقاء وقد يكونون أعداء، يشكّل الأصدقاء أُلَّافا ألفتهم أرواحنا واستدفأت بجوارهم، يوقدون لنا شعلة الصداقة النورانية التي تؤنس أرواحنا في وحشتها.

من موسكو، إلى نوفوسيبيرسك، إلى فلاديفوستوك، المحطات الثلاث الأهم التي تخلّلتها محطات كثيرة أخرى، نُسِجت خلالها قصة حبّ تأرجح بين مدٍّ وجزر، أولى المطبات التي واجهتها كانت فارق السّنّ الكبير بين الكاتب وهلال التي لا تزال على أولى عتبات العقد الثاني، الفتاة ذات الأصول التركية، المولوعة بآلة العزف خاصتها، والتي تطرح على الملأ قضية تعرّضها للاعتداء الجنسي، وترى في الانتقام مساواة بيننا وبين أعدائنا، بينما في العفو عنهم حكمة وذكاء عميقان.

عيناها اللتان فتحتا للبطل أبوابًا لولوج عالم آخر، وأفاقًا جديدة، كانتا نافذة له على عوالم الأسرار الكونية، وقصائد منسية في زمن بعيد، فكانت العيون مرايا أرواحهما  بل مرايا لكل الأرواح، تعطّلت خلال حديثهما لغة الكلام، فذكرتني بقصيدة إبراهيم ناجي التي غنتها أم كلثوم، تقول فيها:

ولم أدرِ ما طيب العناق على الهوى    حتى ترفّق ساعدي فطواكا (أو فثناكا)

… وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت          عينيّ في لغة الهوى عيناكا

وبقولٍ شعري آخر ، يقول:

العينُ تُبدي الذي في نفس صاحبها      من المحبّة أو بغضٍ إذا كانا

والعين تنطق والأفواه صامتة         حتى ترى من ضمير القلب تبيانا

 وقول آخر جميل:

عيوننا تقضي الحوائج بيننا            ونحن سكوت والهوى يتكلّم

لقد رأيا في الطبيعة صورة لهذا اللقاء، هي التقاء الغيوم أو السحاب، وبين التقاء السحاب والتقاء العيون، والتقاء الكلمات التي تتراصّ على الورق، هنالك لقاءات في حياتنا لا نتحكم في سيرها ولا في مواعيدها، لا في بداياتها ولا في نهاياتها، لا نُخطِّط لها، ولا نضرب لها المواعيد حسب رزنامتنا اليومية، هي تحدث وحسب، تجمعنا، أو تجمع ما بيننا، وهذا هو الألف، جمع وضمّ، إلف وألفة، اجتماع أرواح تفكّر عند لقائها الأول، أنّها تعرف بعضها منذ زمن وأمد بعيدين، نحن نؤمن في ديننا بلقاء الأرواح في عالم الذر، ويمكننا في هذا العالم إما ان نتعارف أو نتخالف، ففي الحديث :” الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف”.

  مرجعيات النّصّ :

تكتنف كتابات باولو كويلو أفكار من فكر التصوّف الفلسفي الذي يتبناه الحلاج وابن عربي و أبو يزيد البسطامي، من ذلك أفكار هؤلاء القائلة بمبدأ الحلول والاتحاد أي حلول الذات الإلهية في الإنسان، واتحاد الذات الإنسانية مع ذات الربوبية، أمر لا يقبله التصوف الإسلامي، إلا من باب اتحاد مراد الخالق مع المخلوق، إذ حاشى لله أن يحده زمان أو مكان.

من جهة أخرى، صراعات الإنسان الداخلية تقتضي أحيانا أن نرهّب النفس لا أن نرغّبها، أن نخوض معها حربا حتى نعيش في سلام،  وأن نتجاوز الماضي، أن نزور أرواحنا لا ماضينا، ونعيش في حاضرنا، أن نهتمّ أكثر بالأشياء البسيطة اليومية ونقدّرها، ببساطة أن نحبّ دونما رغبة في الأخذ أو العطاء، أن نحبّ وحسب، فالحبّ لا يعترف بالخطط ولا المخطّطين الاستراتيجيين.

وأوّل الحبّ أن نحبّ ذواتنا ونقدّرها، حتى لا نحسّ بغربتنا عن الكون وعن أنفسنا، محتفظين في ذلك بحقّنا في الحلم بإيجاد ما نعرفه وما لا نعرفه، بشي جميل مخبئ في مكان ما لنا.

وأولئك الذين يسعون لإنقاذ أرواح الآخرين، بينما لا يملكون أقلّ تقدير لذواتهم إنّما يفعلون ذلك هباء، وفعلهم ليس سوى هروب من مواجهة مشاكلهم الخاصة، لذلك يقضي الكثيرون حياتهم دون أن يعرفوا حقائق أرواحهم، ولا طبائع نفوسهم الحقة، لا يعيشونها إلا وهما يفيقون منه وهم على مشارف الموت.

هلال التي اختبر معها قبل آلاف السنين تجربة الخيانة، ثم تجربة الفقد، وتجربة الندم، ثمّ تجربة الغفران، تجربة الشهوة، والحب النقي، تجارب الهدوء  والاضطراب، الجنون والتعقّل،  لكن في النهاية شيء واحد يجب أن ينتصر،  هل كان الحبّ؟

في كلّ إلف هناك فراق، وفي كلّ اجتماع هناك افتراق، أن تجتمع بالحلم، يعني أن تفترق عن الواقع، أن تتآلف الأرواح يعني أن تُنسى في حضرتها الأجساد، أن تتآلف مع ذاتك يعني أن تعتزل من حولك، و أن تتآلف مع من هم حولك يعني أن تؤثرهم على نفسك.

أثناء هذا التآلف قد تتعلّم لغة  الكون التي لا تحتاج إلى ترجمة، تعي  ما يدور حولك حتى ولو لم تكن تدري بأيّ لغة يقال، قد تتخلى عن الكلام متّبعا العلامات.

هل كان حباًّ؟ برأيي، لم يكن سوى شعور بالذنب، واختيار البقاء مع هلال  لم يكن سوى رغبة في التكفير عن ذلك الذنب، ودورة جديدة لخيانة إلف حقيقي هو إلف زواجه، الذي تركه على رفّ الانتظار حتى ينهي مغامرته.

 

[1]  سانتياغو هو اسم البطل في رواية الخيميائي التي حقّقت نجاحًا باهرًا .

[2]  للحروف في اللغة العربية أيضا معانيها الخاصة، و خصائص كل حرف صوتيًا ومعنويًا ، و هو موضوع خصب للقراءة عنه .

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

آمنة عيساوي

أستاذة لغة عربية عاشقة للكتب طالبة دكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى