مدونات

كورونا.. ندمنا على ما فعلنا

الزَّوجات.. وندمْنَ على ما فعلْنَ

كثيرًا ما كانت تحدث مشاكل بين الزوجين، وكانت عوامل تلك النزاعات والخلافات المستمرة تتركز في الخروج المتكرر من البيت، والمكوث أمادًا طوالاً بالخارج، ممَّا كان ذلك مدعاة لكي يتسلل الشيطان إلى ذات البين، وينفث سمومه لدى كليهما، وكان الفراغ غالبًا ما يزكي تلك الإِحَن، ويؤجج أوارها حسبما قال شاعرنا العربي أبو العتاهيَّة وهو محقٌّ فيما قاله:

إنَّ الشَبابَ وَالفَراغَ وَالجِدَة.. دفسَدَةٌ  لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة

إضافة إلى الصبا والجمال، والَّذيْن يتمتع بهما أحدهما أو كلاهما، تلك حبائل إبليس، والزوجة هي منْ كان يتحمل عناء ذلك كُلَّه، وودَّت في قرارة نفسها لو حدث شيءٌ ما يقلل من ساعات العمل، وكذلك من ساعات الخروج طويلاً، والجلوس على المقاهى وفي نوادي الاجتماعات ومراكز الأندية والشباب.. إلخ؛ حيث إنَّ القائمة تطول، وحدَّثت نفسها بأنْ لو يصدر قرار يُقلِّل من الاختلاط بالأصدقاء، لا سيَّما رفقاء السُّوء، قرناء الشَّر، وكذلك الحال حيال الزوج، وإنْ كان ذلك قليلاً بعض الشيء، قال تعالى في ذلك: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف 67.

وعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه – قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من أشراط الساعة بيع الحكم وكثرة الشرط، أخرجه أبو نعيم في الحلية، باب: من أشراط الساعة أن يطيع الرجل امرأته، ويعق أمه، ويقصي أباه، ويدني صديقه، ويكون خسف ومسخ وقذف، وآيات تتابع كنظام بال انقطع سلكه فتتابع).

وأثبتت الإحصائيات -مصداقًا لقوله تعالى ولرسوله الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّ لأصدقاء الزوج وصديقات الزوجة أثر مباشر وغير مباشر في الحياة الزوجية.

كل هذا وذاك عايشته الأسرة قبل كورونا، وعانت منه المرأة تحديدًا، وتكبد غصصه الأبناء.

جاءت كورونا، وتحقَّق ما كان يروق للزوجة، وقُيِّدت الحريات بخاصة الزوج، وأغلق كل ما من سبيله مَدعاة للانفلات وذريعة الخيانة الزوجية وعقبات كَئُود لها، فلبث الزوج حينًا من الدهر، وغدا أسير كورونا، فانعدمت الحركة أو كادت.

كما أثَّر ذلك معيشيًّا على الأسرة من تضييق في الأرزاق، فعجز الزوج عن توفير متطلبات الحياة اليومية إلا بالكاد الضروري الذى يقيم الأوَدْ، وتكفلت الدول ذلك ما استطاعت إليه سبيلاً، وشعر الزوج بالحرج والعجز حيال ذلك كله لا سيَّما أمام زوجته، حيث أحسَّ في دخيلته أنَّه وهي على خط التماس، علاوة على أن الزوج غالبًا ما كان يشعر بأنَّ تلك الحرية المسلوبة منه بفعل كورونا أفقدته ما كان يَتِيه به على الزوجة، وأن ذلك من سماته وسيماته، حتى إذا أُحكم الحظر، فإذا هو وهي سواء، ونظرًا للحساسية المفرطة قُبالة ذلك، بمجرد الإشارة، بل بالنظرة من الزوجة، يقوم الزوج عن طريق الجهاز الدماغي بترجمة هذا الأمر وإسقاطه على عكوفه البيتوتى الاضطرارى؛ فانعكس تبعة ذلك على الزوجة والأولاد، فجاء عنفًا وضربًا وإهانة، ممَّا دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى اتخاذ تدابير لمعالجة “الطفرة العالمية المروعة في العنف المنزلي” ضد النساء والفتيات، المرتبطة بحالات الإغلاق التي تفرضها الحكومات كنتيجة لجهود الاستجابة لجائحة كوفيد-19.

وقد أرجع السيد غوتيريش فشل مواجهة المجتمع الدولي بمؤسساته –على كافة تباينها- إلى نقص مقدمي الرعاية الصحية، والشرطة تحت الضغوط الحالية ويعانون من نقص في الموظفين.

ومجموعات الدعم المحلية مشلولة القدرات أو تفتقر إلى التمويل، كما أغلقت بعض ملاجئ العنف المنزلي أبوابها؛ وامتلأ بعضها الآخر.

تشمل أسباب النقص في الملاجئ تحويلها إلى مرافق صحية، أو اتخاذ تدابير جديدة تحول دون خروج الضحايا خوفًا من زيادة انتشار كوفيد-19، أما بالنسبة لأفراد الشرطة، فإنهم وغيرهم من أفراد قوات الأمن في كثير من الحالات، أقل استعداداً للقبض على مرتكبي أعمال العنف، إما للحد من الاشتباك المباشر، أو لأنهم منهكون من تأمين عمليات الإغلاق.

وكذا تعليق المحاكم لعملها، وحظر التجوال المضروب على أكثرية المواطنين بما فيهم تقليص أعداد العاملين في مراكز الأسرة، فوقعت الزوجة بين مطرقة كورونا وسندان الحظر وإيلامه، وإلْفها ذي الضعف الفطري.

والآن تتجه نساء العالم إلى الله تضرُعًا وخفية؛ النجاة النجاة من هذا البلاء والابتلاء، فهو بلاءان؛ بلاء كورونا، وبلاء البيتوتة الزوجية.

لقد ارتأت الزوجة وعاينت تبخُّر أمانيها بأن تنعم بمزيد من المداعبة والملاطفة، وأضحت لا كما يقول الشاعر ابن المعتزّ :

مُنًى إِنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أَحْسَنَ الْمُنَى ** وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغْدَا

لقد أمْسَيْن يناشدن الله التجاوز عمَّا تمنَّوْا، وندمن أشدَّ الندم عما بدرن بدواخلهنَّ، ولسان حالهن جميعًا يرددن المثل الشعبي القائل: جنازة بتار ولا قعدة الراجل في الدار، أو قعدة الدودة في الغيط ولا قعدة الراجل في البيت، فهل ينفع النَّدم؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محمد عبد الله

الاسم: محمد سعيد محفوظ عبد الله دكتوراه فى البلاغة والنقد والأول فى مواد الفرقة الرابعة قسم اللغة العربية بآداب المنصورةعام 1994 بنسبة 81.54%-درس مواد امتياز-نشر ابحاثًا وكتبًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى