مدونات

كورونا.. خواطر حية

كورونا؛ صفعة على قفا البشرية والتوحش، كان لا بد للإنسانية أن تقف عند مفصل تلتقط أنفاسها، كان لا بد للمخالب أن تنفك عن رقاب المقهورين، كان لا بد للشراسة أن تتقلم أظافرها، عودة إلى الإنسانية، عودة إلى الرشد.

كورونا؛ المعطل لمسيرة القوة التي تتباهي بها الأنظمة الغاشمة، حينما تقف الغطرسة الكاذبة وبنظرة علوية تناجي نفسها، انظروا كم نحن أقوياء، ألسنا سادة لهذا الكوكب، أطلقها ترامب ذلك المأفون المسكون بداء الغطرسة.

مرعب أن تمضي في الكون يسكنك إحساس العظمة ويتماهى في ذاتك أنك الجنس الأقوى، وأن مصائر الشعوب رهن إشارة تطلقها، لا يحدك قانون، ولا تردعك سماء.

في عرف الأسياد من منظور القوة، لا غضاضة في الموت الكمي، لا غضاضة أن يموت البشر أفواجاً وجماعات طالما الجاني في مأمن، زطالما أن آلية تسيير الموت تمضي بخطى مرسومة، ليس هناك رحمة ولا شفقة وأنت تقف على ركام الجماجم تحصي أعدادها بدقة، وطالما تعيد التركيبة الكونية لصالحك، وتخلي أجزاء من الأرض لتتمدد وتهيمن وتسيطر.

لكن الرعب والرعب الحقيقي لك من فكرة المجهول الذي يتراقص أمامك في خفاء، يهاجمك في سريرك، يعبر الحدود، يباغتك وأنت لا تدرك ماهيته أو نوعه، ولا تأمن أن يصيبك في مقتل وأنت لا تدري.

سوف تنقلب الدنيا ويثور العالم لأن أسياد الأرض الذين يرسمون خريطة الموتى في أرجاء المعمورة لم يعودوا في مأمن، لأن قادماً جديداً أو مجهولًا جديداً ساوى في أحقية خطف الحياة بين غنيهم وفقيرهم وبين قويهم وضعيفهم، وأن وسائل المنعة وأدوات الصد لم تعمل بعد.

ولسوف تتعافى الإنسانية من هذا المجهول الداهم، ولربما يصبح هذا المجهول هو نفسه أداة للردع وعصًا للقوة؛ لحصد الآلاف من البشر إذا ما رُوًض واستُأنس، ووُجه بطريقة مأمونة لحصد المارقين أو بسط الهيمنة أو السيطرة على مناطق بعينها.

قل لي بربك يا عزيزي، أكبر أدمغة العالم ومحللوه، هل كان يتوقع ما حل بالكون من جمود وشلل عصف بكل مقدرات التقنية وأدوات العلم وأسلحة التقدم وأوقف الإنتاج وشل المصانع وألزم الناس بيوتهم؟

بعد كورونا سوف تتغير بلا شك المنظومة الكونية، وسيعاد ترتيب الأمم حسب نسق كوني جديد، سنوات قادمة تترقبها البشرية إذا أحسنا صياغة معادلة تربطنا بالعالم، قد ننجح في حجز مكان ملائم لنا.

ولسوف تتوزع خريطة القوة على الأرض، الناجون من رحم الأزمة هم القادرون على إدارة هذا الكون، أمامهم مهمة رتق الاقتصاد وابتكار أدوات جديدة لإدارة هذا الكوكب، وأمامنا نحن بناء نموذج ونمط اقتصادي مرن يحمل خصوصية الأرض، ويلتحم بالعالم التحامًا لا يذيبه ويبقيه كيانًا منفرداً، والصين كمثال مرئي.

قبل أن يجرفنا كساد عالمي على غرة ، ونفيق على هول عدم قدرتنا على توفير احتياجاتنا الغذائية، هذا الكورونا أظهر أنانية الدول وأنانية الشعوب، ووضع العولمة في مهب الريح، ومزق الرباط الأوروبي وأوهن اتحاده.

يبدو أن ميثاق المصالح المبني على برجماتية محضة لم يثبت مع أول اختبار واقعي، لا يمكن أن تسري الأمور من منظور الابتزاز المرعب، من منظور الحاكمية الكونية، بلغة أنا سيد العالم، فهلا أدركت أيها السيد أن في هذا الكون الصغير من السهل جداً أن ترتد إليك مساوئ ما اقترفت يداك في بقعة ما في أقصاه؟ ولسوف تتحمل وزر العبث في أي ركن من أركانه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى