مدونات

كورونا.. الهلع وصفة شعبية

كنت أتمنى أن أكتب لكم عن مدى سعادتي بتعليق الدراسة، وعن الخطط التي رسمتها للاحتفال بهذه المناسبة كوني ما زلت أحد طلبة الكليات، ولطالما شغلت الدراسة حيزاً كبيراً من حياتي، وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل، وأنا الذي عاصرت فترة دراستي الكثير من الأوقات العصيبة التي مرت بها البلاد من أحداث 2011 و 2013 والأعوام التي تلتهما، وتمنيت في بعض الأوقات أن تتوقف الدراسة، ولكني إرتأيت أن الكتابة في هذا الموضوع لن تكون مناسبة للوضع العام حالياً، لذا قررت أن أكتب لكم عن خوفي، أهلا بكم في عالم الهلع. 

كورونا.. من أين؟

منذ فترة تقارب التسعين يوماً سمعنا لأول مرة عن فيروس (كورونا-Covid-19) الذي وصل تعداد المصابين به حول العالم -في وقت كتابة هذا المقال- إلى 325.000 حالة إصابة وعدد الوفيات إلى 14.390 حالة وفاة بسبب المرض.

اعتقدت أن هذه الأرقام مخيفة حتى اكتشفت أنه من الممكن أن يجعل الجهل هذا الفيروس أخطر عشرات المرات مما هو عليه، ما إن وصل كورونا إلى مصر، حتى غزت وسائل التواصل الاجتماعي وصفات لعلاج كورونا بالليمون والزنجبيل وشوربة الدجاج، حتى أني تلقيت مكالمة من صديقة لأمي تخبرني بأنه على أن أتغرغر مرتين كل صباح؛ الأولي بالخل، والثانية بالملح، بالطبع لست أدري لماذا اختارت مرتين أو لما اختارت الخل والملح، أو لماذا يذكرني هذا بالبطاطا المقلية.  

في عام 2011 تم إنتاج فيلم يحمل اسم (Contagion)، يحكي الفيلم عن فيروس ينشأ في الصين وينتشر منها إلى جميع أنحاء العالم، ومن سخرية القدر أن الفيلم كان يقول بأن العدوي أتت نتيجة لانتقال الفيروس من الخفافيش للإنسان، والآن عزيزي القارئ يمكنك أن تفهم من أين أتت قصة الخفافيش تلك.

أيضاً في عام 2014، أنتج مسلسل تحت عنوان (the last ship) والذي يحكي أيضًا عن فيروس ينشأ في الصين وينتشر ليقضي على 80% من سكان الأرض، وتتبقى سفينة وحيدة لم يصل إليها الفيروس والتي تدور فيها أحداث المسلسل.

يبدو أن هناك حالة عامة من عدم الثقة تجاه الصين لدى صناع السينما في الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أيضاً أنه بشكل أو بآخر بدأت هذه الرؤى تتحقق بشكل كبير، فمنذ أن ظهر كورونا في الصين جن جنون العالم، ونظرت جميع الدول لبعضها في توجس، بالطبع أنت تعرف باقي القصة من تعليق الرحلات بين الدول وبعضها، حتى أن هناك دولًا علقت نشاط الطيران بشكل كامل وأغلقت المطارات الخاصة بها، ناهيك عن ظهور نظريات المؤامرة بين أمريكا والصين وعن المخططات الخفية وما إلى ذلك، ولكن هذا ليس موضوعنا على أي حال. 

سوشيل ميديا مشوشة 

وصل فايروس (كرونا -Covid-19) إلى مصر بشكل متأخر نسبياً عن باقي دول العالم، ولكن مع إعلان وزارة الصحة المصرية عن إصابة أول 12 حالة بالمرض، بدأت حالة من الذعر العام تنتشر في أوساط الشعب المصري، والحق أنه كان يمكنك أن تتوقع هذا، فمع نسبة أمية تصل إلى 26% -حسب آخر إحصاء- وفيروس قادم من الخارج، فتهانينا سيدي لقد حصلت على أكبر مكينة شائعات في العالم.  

كنت أتحدث عبر الهاتف مع صديق لي يعمل كصيدلي في إحدى صيدليات الإسكندرية عن هذا كله، فأخبرني أنه لاحظ في الفترة الأخيرة ارتفاعاً في مبيعات الأدوية التي تحتوي على المادة الفعالة (Hydroxychloroquine)، وهي في الأساس كانت تستعمل في علاج الملاريا، مما أثار تعجبه، حتى صادف منشورًا على موقع التواصل الاجتماعي (Facebook ) يفيد بأن هذه المادة يتم حالياً دراستها لكي تساعد إنتاج دواء لفيروس (كورونا -Covid-19)، وهنا اتضحت اللعبة.  

تأثير ترامب

بالطبع انتشر هذا المنشور بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن موافقة (إدارة الغذاء والدواء- Food and Drug Administration) عن العلاج “القوي جداً (Chloroquine)” للقضاء على “الفيروس الصيني” على حد تعبيره في أحد المؤتمرات الأسبوع الماضي، لتتجه أنظار العالم بعدها إلى المادة ( Hydroxychloroquine)، خاصة وبعد أن ذكرتها منظمة الصحة العالمية (WHO) في تقرير خاص بها، عن إمكانية استعمال هذه المادة في تطوير لقاح لفيروس (كورونا -Covid-19).

صحيح أن تجربة العلاج بال (Hydroxychloroquine) بائت بالفشل في الصين عندما تم تجربتها على نطاق ضيق، ولكن منظمة الصحة العالمية تأمل في أن تختلف النتائج إذا تم تجربتها في نطاق أوسع طبقاً لمقال نشر في مجلة (Science).

وبشكل عام، يمكن القول أن معظم التجارب الخاصة بالـ (Hydroxychloroquine) لم تكن مبشرة على الإطلاق، حيث أن تجربة الصين لم تكن الوحيدة، فقد سجلت نيجريا ثلاث حالات تسمم بالـ (Hydroxychloroquine ) بعد إعلان ترامب عن كون المادة تصلح لعلاج كورونا، كما أنه أيضًا تسبب في ارتفاع سعر العقار بنسبة وصلت 400% في نيجريا، وأيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث حكت سيدة مصابة لمجلة (Forbes) تجربتها مع نفس العقار، وقالت أنه نجح في تقليل الأعراض ليوم واحد، ثم عادت الأعراض مرة أخرى في اليوم التالي.  

نهاية مرعبة  

بالطبع مشاركة منشور يحمل مثل هذه المعلومات هي خطوة غير صحيحة بالمرة، بالتحديد في بلد مثل مصر؛ حيث الشائعات تخرج من بطن الحقائق، خاصة وأن منظمة الصحة أعلنت أن هناك 20 لقاحًا آخرًا تحت التجربة، وما زال من المبكر جداً إعلان أن أحدها يصلح ليكون علاجاً لـ (كورونا-Covid-19)، لا تنسى أيضاً أن استخدام مثل هذه اللقاحات بدون استشارة طبيب متخصص له أعراض جانبية خطيرة، مثل التسمم والطفح الجلدي وارتفاع ضغط الدم في حالة إذا كنت مريضاً به.  

دعك طبعاً من أن زيادة السحب على هذه الأدوية ستعجل من نقص كمياته في الصيدليات؛ مما سيؤدي إلى ارتفاع سعرة نظراً لزيادة الطلب عليه، ويضعنا أمام مشكلة أكبر وهي عدم القدرة على توفير الدواء لمستحقيه الحقيقيين.  

 الفكرة حقاً مثيرة للرعب، خاصة بعد الجهود الجادة التي بذلتها الحكومة لاحتواء الأزمة، ففي الأخير ستتفاقم الأزمة بسبب الجهل وبسبب أن الناس لم تلتزم بيوتهم كما وجهت الحكومة، وفي الوقت الذي أنهى فيه هذا المقال، خرجت مظاهرات في الإسكندرية الساعة الثانية بعد منتصف الليل لتطالب الحكومة بفتح المساجد لكي يتضرعوا إلى الله، وكأن الله لا يسمع الدعاء من البيوت، أنا لا أقول بأن الأمر ليس بحاجة إلى الدعاء، بل إنه يحتاج إلى تضرع كتضرع قوم يونس حتى يرفع الله عنا ما نحن فيه، ولكن كل ظرف وله قواعده واحتياطاته.

المصادر: 

1- عن عدد الحالات حول العالم .

 2- عن نسبة الأمية في مصر.

3- عن خطاب ترامب والنيجر والأعراض الجانبية.

4- عن خطة منظمة الصحة العالمية وتجربة الصين في مجلة Science.

5- عن تجربة المريضة وحكايتها لمجلة Forbes .

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبدالرحمن الفلال

عبدالرحمن احمد الفلال مدون مصري و طالب بكلية الإعلام في جامعة الأهرام الكندية، ولي العديد من المقلات المنشورة على حسابي في موقع التواصل الاجتماعي( Facebook)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى