ثقافة وفنون

“كورونا”.. أول مصنع شوكولاتة في مصر والشرق الأوسط

في أوائل القرن العشرين كانت مصر على موعد مع صناعة جديدة تقام على أرضها، كانت هذه الصناعة بالنسبة للطوائف الأجنبية في مصر هي سر السعادة والطعم الحقيقي لها، كانت الشيكولاتة في تلك الآونة بمثابة ثورة صناعية في عالم الحلوى ونظرًا لكثرة عدد الجاليات الأجنبية في مصر آنذاك لأسباب عدة منها حركة الانفتاح التي شهدتها مصر منذ نهايات عصر محمد على ومنها الاستعمار.

ساعد انتشار الأجانب في مصر على جلب الكثير من مستحدثات الحياة إلى مصر وهو ما جعلها سوقا هائما لكل ما هو جديد في أوروبا، ولعل ذلك هو أحد الأسباب القوية التي جعلت تومي خريستو يفكر في إنشاء مصنع شيكولاتة.

وتومي خريستو هو يوناني الجنسية من مواليد الإسكندرية عام 1891، والده هو إيفان جلسيت خريستو أحد أشهر تجار الإسكندرية في تلك الحقبة. بدأ تومي نشاطه التجاري مبكرًا بفضل والده وهو ما ساعده في معرفة متطلبات السوق المصري وتنفيذها.

ولعل هذا ما دفعه إلى إنشاء أول مصنع شيكولاتة في مصر عام 1919 نظرًا لكثرة الطلب عليها؛ فقام ببناء مصنعه في مدينة الإسماعيلية تحت اسم شيكولاتة رويال. واختياره لمدينة الإسماعيلية جاء لكثرة الجاليات الأجنبية بها وتمركز قوات الاحتلال الإنجليزي بها.

بعد ذلك قرر تومي التوسع في صناعة الشيكولاتة لتصل لجميع أنحاء الجمهورية، حيث تحول اسم المصنع من رويال إلى كورونا لتصبح فيما بعد أهم مصنع حلويات في مصر على مدار القرن العشرين. ووفقًا للموقع الرسمي لشركة كورونا فإن أول مصنع في الإسكندرية كان بمنطقة محرم بك وبالتحديد في شارع باولينو، وهذا وفقًا للسجل التجاري للشركة المؤرخ برقم 537 لسنة 1920.

توسعت الشركة بعد ذلك وقامت بشراء موقع آخر يواكب تطورها، وفي عام 1940 تم شراء أرض فضاء بشارع ترعة المحمودية ليكون المقر الرئيسي فيما بعد للشركة حتى الآن. كان بجوار تومي خريستو مصنع نادلر للحلويات وكان هذا المصنع متخصص فقط في إنتاج البونبونى والأرواح ولكنه كان مصنع صغير لا يرقى لمنافسة كورونا فعرض عليه خرستو الشراكة فاستخدمت حلويات نادلر في كورونا ليكونون معًا مزيجًا مختلفًا من الحلوى.

كان خريستو مهتم جدًا بموظفين وعمال شركته لرؤيته ضرورة توافر السعادة والراحة لصناع السعادة؛ فالشيكولاتة هي سر السعادة لذلك وجب على عمال الشيكولاتة أن يكونوا سعداء حتى يكون المنتج جالب للسعادة والمرح، فكان يختار موظفين شركته بنفسه وبعناية شديدة جدًا وهو ما يفسر كثرة عدد اليونانيين العاملين بالمصنع بالنسبة للمصريين آنذاك.

اهتمام خريستو بالعمال وصل إلى درجة كبيرة جدًا حتى أنه قام ببناء سينما خاصة بعماله وهي سينما رويال وسينما ستراند ومازالت دور العرض هذه متواجدة حتى الآن في الإسكندرية، كما أنه كان يخصص لموظفين شركته هدايا قيمة توزع على العمال في نهاية الأسبوع وأيام الأعياد، فهو كان يرى أن خلطة الشيكولاتة هي خلطة حساسة يجب على عمالها أن يكونون سعداء وهم يقومون بتصنعيها.

وتقودنا قضية اهتمام خريستو بالعمال إلى حادث هام في حياة الشركة بسببه أصبح شعار الشركة غزالًا بريًا؛ فكان خرستو يقيم للعمل مباريات لكرة القدم في أوقات الراحة والعطلات وكانت المباريات تقام في أرض فضاء بجوار المصنع، وكان هناك غزالًا يأتي دائمًا بجوار هذا الملعب وكان خريستو متعلق جدًا بهذا الغزال، وفي أحد هذه المباريات قام أحد العمال بتصويب كرة قوية أتت في بطن الغزال فأوقعته أرضًا وفارق الغزال على إثرها الحياة، حزن خريستو حزنًا شديدًا على وفاة هذا الغزال وتخليدًا لذكراه جعل شعار شركته هذا الغزال.

ظلت تخضع ملكية كورونا إلى خريستو حتى عام 1963، وفي هذا العام صدر قرار رئاسي بتأميم كورونا ونادلر لتؤول ملكيتها للحكومة المصرية وتندمج العلامتان تحت اسم شركة الإسكندرية للشيكولاتة. وبعد قرار التأميم عانت الشركة بعض الوقت من عدم جودة منتجها نظرًا لارتباط الخلطة السرية بصاحبها ولم يعرفها إلا القليلون من الشركة وكان على رأسهم شخص يدعى ذكي المصري، كان هذا الشخص على معرفة بالخلطة السرية للشركة وكان ذكي المصري سببًا رئيسيًا في استمرار الشركة في ريادته.

وفي مطلع القرن العشرين قررت الحكومة المصرية بيع الشركة في ضوء سياسة الخصخصة للقطاع العام، وفي عام 2000 آلت ملكية العلامة التجارية والشركة إلى مجموعة شركات سونيد حتى الآن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق