سياسة وتاريخ

كوردستان وتوازن القوى في الشرق

يعتبر مفهوم الأمن في الشرق الأوسط إلى اليوم من المفاهيم المعقدة في السياسة الدولية، فالأمن مازال يخضع في معظم مناطق الشرق للسياسات الدولية، مرتبطاً بشكل رئيسي بالوضع السياسي واستراتيجية القوة الاقتصادية.

فالبيئة السياسية الخارجية مازالت هي المحرك الرئيس والمؤثر على توازن الأمن، فالأمن الحقيقي يحتاج لقوة الدولة على الصعيدين؛ العسكري أولاً ثم الاقتصادي، فقوة الأمن هي إحدى الوسائل والأدوات التي تستخدمها الدولة لتحقيق أهدافها ومصالحها في إطار سياستها الخارجية والداخلية.

من هنا نستطيع القول إن أمن أي دولة في العالم عامة وفي الشرق الأوسط خاصة يجب أن يعتمد على ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: وهو ما يعرف بالقوة الأمنية، وقدرة مؤسسات الدولة في التأثير على الغير، خاصة التأثير على دول وأقاليم المحيط الخارجي، فمن خلال هذا الاتجاه تتمكن الدولة من بسط سيطرتها الأمنية داخلياً، والتأثير على القرار السياسي دولياً.

الاتجاه الثاني: الذي تقدمه القوة الأمنية، هي وصول الدولة إلى درجة المشاركة الفعالة في صنع القرارات المهمة ضمن مجتمعها، والمجتمعات والقوميات المحيطة بها.

والاتجاه الثالث: هو القوة الأمنية في جمع الاتجاهين السابقين ليظهر ما يُعرف بالقوة الأمنية المحركة، وهذا الاتجاه هو الذي يُمكّن الدولة من حماية نفسها سياسياً تجاه أي تهديد عسكري من الخارج.

إذاً القوة الأمنية تبدأ من ضبط القرارات السياسية للتأثير الإيجابي على المجتمع داخلياً، وحماية الدولة من أي تهديد خارجي، وهذا بالضبط ما يسمى بالقوة الأمنية المتوازنة، فهي الحالة المستقرة للدولة التي لا تسيطر عليها قوى التطرف أو العدوان أو العنف.

فالتوازن الأمني هو ما يجمع المؤسسات الأمنية العالمية ضمن بوتقة واحدة، إنها الإبقاء على الاستقرار السائد في قوة الأجهزة الأمنية لردع أي محاولة تفكيك لجهاز الدولة السياسي.

وهنا نجد أن هذا التوازن يتحقق عن طريق قدرة نظام الأمن في توليد طاقات متعادلة ومتماسكة ضمن جميع الاتجاهات السياسية، وبذلك يمكن تفادي أي اختلال في علاقات القوى السياسية والعسكرية والأمنية وتوزيعها على مقدرات الدولة.

فأشكال التوازن الأمني تتشكل طبقاً للمساحة الجغرافية للدولة، فمستوى التوازن للقوة الأمنية على المستوى الإقليمي تختلف عن المستوى الدولي وهكذا، فالتوازن الإقليمي هو الذي يؤثر على التوازن الدولي، وذلك كونه ينظم علاقة القوى الرئيسة المسيطرة على سياسة العالم.

فالصراعات العالمية الكبرى تعتمد في تطوراتها ونتائجها على ما يجري ضمن أرض الواقع من صراعات الدول الضعيفة والصغيرة، خاصة الدول التي تتمتع بمناطق جغرافية مهمة؛ كمعظم مناطق الشرق التي تحوي على النفط الخام والغاز وغيرها من موارد طبيعية مهمة.

وإذا ما أمعنا النظر ضمن مناطق كوردستان العراق، سنجد منطقة مهمة جغرافياً وسياسياً، إذ أنها تحتل مركز الصدارة في ربط أكثر الدول أهمية ببعضها البعض (إيران- العراق- تركيا)، فمنطقة مثل كوردستان تعتبر محوراً جيوسياسي دولي فعال، وقد ساهم الإقليم من خلال قدرته على صناعة توازن أمني داخلي وخارجي في بناء توازن استراتيجي مستقر في المنطقة التي ينتمي إليها، وهو ما يعرف عالمياً بقدرة الكورد على صناعة (البعد البنائي) ما بعد عام 2003 الذي شكل صاعقة حقيقية لأغلب دول الشرق.

فالقدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية لإقليم كوردستان جعله يصنع بُعداً سلوكياً أمنياً، ويربط هذا البعد بمصالح العالم، ويجعلها أكثر مرونة وحركة وفاعلية، خاصة ضمن معادلة التوازن الدولي الإقليمي العربي والتركي والإيراني.

وإذا ما أمعنا النظر أكثر وأكثر سنرى أن إقليم كوردستان أصبح اليوم العامل الرئيسي لقياس مدى استقرار المنطقة، بل وبوابة الشرق الاقتصادية الآمنة.

اليوم تمكن الإقليم من تحقيق معادلة الأمن وتوازن القوى في الشرق، وأخذ يخطو الخطوات الحقيقية والمؤكدة في فاعليته كدولة ذات قدرات سياسية وعسكرية، لإحداث التغير الحقيقي في بسط معادلة السلام والأمان ضمن جميع المناطق المحيطة به.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق