سياسة وتاريخ

كواليس سقوط بغداد: الخليفة يلهو بالجواري والمغول يقصفون المدينة

في عام 1258 ميلاديًا، وفي ظل الهدوء والاستقرار والنمو الذي يشهده شبه الجزيرة العربية من تطور في المعرفة والعلم، حدث شيء لم يكن بالحسبان ألا وهو سقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية، على يد المغول وحرق أكبر مكتبة في ذلك العصر على يد الغزاة.

عرفت تلك الحادثة التاريخية بالكثير من الأسماء منها: “حصار بغداد” و”سقوط  بغداد” و”الغزو المغولي لبغداد”.

سقوط بغداد

وأسقط المغول الدولة الخوارزمية والتي تعد خط الدفاع الإسلامي  الأول، وبعدها استطاعوا اجتياح عاصمة الدولة العباسية وحضارة الخلافة الإسلامية ومنها حدث سقوط بغداد في أيدي المغول، وتمكنوا من إبادة بعض الجماعات التي عجز عنها المسلمين وشكلوا مصدر خطر عليهم؛ مثل الحشاشين الذين يتواجدون في آلموت شمالي فارس.

وأرسل قائد القوات المغولية هُولاكو ابن جنكيز خان، بعد سقوط الدولة الخوارزمية، إلى الخليفة العباسي -حينها- أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله، جوابًا داعيًا إياه بأن يطمر الخنادق المحفورة حول بغداد، ويهدم حُصونها، كونه لم يُرسل إليه عسكرًا ليُساعدوه في حصار آلموت رُغم أنَّهُ أظهر الطاعة والخُضوع لِسُلطة المغول.

وبدوره، حاول الخليفة العباسي استرضاء هُولاكو، وبعث إليه بِرسالةٍ يستلطفه وأرفقها بالهدايا، لكنَّ جواب هُولاكو كان عبارة عن التهديد والوعيد باجتياح الممالك العبَّاسيَّة وإفنائها عن بكرة أبيها.

شكَّل اجتياح المغول لِبغداد ودكِّهم معالم الحضارة والعُمران فيها وقتلهم أهلها كارثةً كُبرى للمُسلمين.

اقرأ أيضًا: «الأخوات الثلاثة» زراعة استحدثها الهنود الحمر وأهدوها للأوروبيين

الاستعدادات العباسية لتجنب سقوط بغداد

عندما أدرك وزير الدولة العباسية ابن العُلقُمي عمد النهاية الآتية وخوف من زوال الخلافة بسبب كثرة الخلافات الداخلية، اجتمع بأعيان الدولة في منزله للتشاور حول الخطر المغولي المقترب من البلاد وإيجاد الحلول.

واتُفق “العُلقُمي” خلال هذا اللقاء على جمع الجُيوش والعتاد اللازم لِمُحاولة صد هذا الغزو. عُرض الأمر على الخليفة فوافق عليه، وأمر بِحشد الجُند، فجمع ابن العُلقُمي بعض ، ثُمَّ طُلب من الخليفة منح المال لِتزويدهم بما يلزم من العتاد، إلَّا أنه رفض، عندها أُحبط ابن العُلقُمي وأدرك مدى سوء الوضع الذي وصلت إليه الخِلافة وبغداد.

بعد أن كان جيش الدولة العباسية يتكون من 100,000 فارس أصبح في ذلك الوقت لا يزيد عن 10,000 فارس بسبب نصيحة الوزير ابن العُلقُمي لتقليص العساكر وإسقاطهم من ديوان الجُند وذلك ضمن نيَّته بِتخفيض مُستوى الدفاعات حتَّى يكون سقوط بغداد لُقمةً سائغة بِيد المغول.

كذلك أُهملت أسوار المدينة فلم تُدعَّم ولم تتم تقويتها. وبِالإضافة إلى فشل الخليفة في تجهيز الجيش المُناسب، أخطأ الخليفة بِإثارتهِ غضب هولاكو بتهديده إيَّاه، وبِوُثوقه المُبالغ به في وزيره ابن العُلقُمي، وهو ما ساعد على تدمير المدينة لاحقًا كذلك، عندما كان الخليفة يُحذَّر من خطر المغول، واقترابهم من بغداد، كان يقول: «أَما بَغدَادُ تَكفِينِي، وَلَا يَستَكثِرُونَهَا لِي، إِذَا نَزَلتُ لَهُمُ عَن بَاقِيَ البِلَادِ، وَلَا أَيضًا يَهجُمُونَ عَلَيَّ وَأَنَا بِهَا وَهِيَ بَيتِي وَدَارُ مَقَامِي».

الهجوم المغولي

كان هولاكو متقدمًا جيشه المغولي لحصار عاصمة الدولة العباسية، حينما بدأ قصف قواته لِبغداد بالمجانيق من ناحية البُرج العجمي، حيث تمكن الجيش من إحداث ثغرة.

أحسَّ الخليفة المستعصم بالله بِالخطر، وأنَّ الأمر قد خرج من يديه؛ فسعى في التوصُّل إلى حلٍ سلميٍّ مع هولاكو.

وفي واقعة غريبة، أيقظت الخليفة وجعلتهُ يُدرك مدى الخطر المُحيط به وبالدولة الإسلامية؛ أنَّه وأثناء الحصار، كان المُستعصم يتلهَّى بالجواري والرَّاقصات من حوله، فأُصيبت جارية كانت تلعب بين يديه وتُضحكه، أثناء تبادل رشق النبال مع المغول، مما أثار فزع الخليفة.

ولمَّا أُحضر السهم الذي قتل الجارية، وُجد مكتوبًا عليه : «إِذَا أَرَادَ اللهُ إِنفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ أَذهَبَ مِن ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُم».

خاطب المستعصم هولاكو مناسدًا إياه بأن يتوقف عن الحصار، باعثًا إليه بِوزيره يقول له إنَّهُ لبَّى طلبه، والآن عليه أن يفي بوعده ويكف الأذى عن سكان بغداد. الرسالة التي رفضها هولاكو، واستمر القتال 6 أيام.

بعدما هدم المغول البرج العجمي سيطروا على الأسوار الشرقية ونصبوا المجانيق على النهر وقطعوا أي محاولة للهروب، وكان مُجاهدُ الدين الدوادار، والي الموصل، قد فر من بغداد في سفينة، إلَّا أنَّ المغول أغرقوها.

جاء سقوط بغداد بعدما سيطر المغول على المدينة، وأمروا كل من كان بالجيش ومن قاومهم بالخروج من المدينة للاستسلام ففعلوا. وبذلك حدثت أكبر مذبحة شهدها التاريخ في ذلك الوقت.

أكبر مذبحة في التاريخ العباسي

ذبح المغول الكثير من المسلمين حال سقوط بغداد واجتياحها، ونهبوا أموالهم، وحرقوا عدد من معالم المدينة وأماكنها المُقدَّسة؛ مثل مقابر الخُلفاء وجامع الخليفة.

وكانت الطامة الكبرى عندما أقدم المغول على حرق أكبر مكتبة عرفها التاريخ وهي مكتبة بغداد والتي تعرف بـ”بيت الحكمة” التي تأسست في عام 750م في بداية العصر العباسي على يد هارون الرشيد، وكانت أعظم دور للعلوم في الأرض قرابة خمس قرون متتالية، واستمر ازدهارها حيث كانت في عهد المأمون دار للعلم تحتوي ملايين المجلدات والكتب في عصر ليس فيه طباعة، وكانت تحتوي على الكتب بجميع اللغات من يونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية.

ومن حماقتهم وغبائهم، حمل المغول ملايين الكتب الثمينة والقيمة وألقوا بها جميعاً في نهر دجلة حتى تحول لون الماء الى أسود، وقيل إن بعض من الأشخاص كانوا يعبرون النهر فوق المجلدات الضخمة.

تراجع التقدم الإسلامي والبشري عمومًا بعد حادثة سقوط بغداد إلى ما يقارب الأربع قرون للخلف. تخيل لو أبقى المغول على المكتبة أين سنكون اليوم؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق