مدونات

كهف أفلاطون والخوف في زمن كورونا

من منا لم ترتعد فرائصه خوفًا من أسطورة “الغول” في طفولته، ومن منا لم يبحر بخياله في تصور هذه الشخصية الخرافية التي توارثت قصتها ألسنة الأطفال من جيل إلى آخر والتي طالما استخدمتها الأمهات لإجبار أطفالهن على النوم. قد يؤتي أسلوب التخويف واستحداث نظريات المؤامرة أُكله كوسيلة ردعية في بعض الأحيان، لكنه يساهم أيضًا في تشكيل أولى لبنات الخوف في عقلنا اللاواعي. وهنا لا أنفي أهمية الخوف الطبيعي عند وجود خطر خارجي، في دفعنا لاتخاذ رد فعل للحفاظ على حياتنا.

بيد أن الخوف الذي نحن بصدده، لصيق بما تشربت به ذواتنا من محيطنا منذ نعومة أناملنا ليصبح أخطر عدو خفي لنا؛ والنتيجة انكسار للعزيمة بسبب الارتباط  اللاإرادي بما يلتقطه العقل من معلومات خارجية، وهكذا يسلم الإنسان مفاتيح أغلاله لمخاوفه وأوهامه، ليغدو السجان والسجين في آن واحد.

لنستحضر في أذهاننا “أسطورة الكهف” التي سردها أفلاطون في مستهل الكتاب السابع من مؤلفه “الجمهورية”، والتي يصور فيها حالة الإنسان بين الخنوع ليقينيات العالم المحسوس والتطرق لحقائق العالم المعقول اللامرئي. في هذه الأسطورة يصف الفيلسوف واقع رجال مصفدين بالأغلال منذ حداثة سنهم، داخل مغارة يتسلل إليها ضوء النهار عبر فتحة؛ وخلف ظهورهم نار متأججة، يفصل بينها وبينهم جدار يقف خلفه أناس يحملون على كواهلهم أشكالاً لحيوانات ونباتات وأشخاص تتجاوز علو السور، فتنعكس ظلالها على الحائط المقابل للأسرى لتكون الشيء الوحيد الذي يرونه ويدركونه.

وقد تصدر أصوات عن الحاملين للأشكال الذين يقفون خلف الجدار، فيخالها المصفدون أصوات الظلال نفسها لأنها تشكل جل معرفتهم، والحقيقة الوحيدة التي يقرون بها. وفي اللحظة التي يُفك فيها أسر أحدهم، يجد نفسه مقتادًا بفطرته صوب النور المنبعث من فتحة الكهف التي تطل على العالم الخارجي، في بداية الأمر لن تحتمل عيناه سطوع الشمس وسيشعر بوهن كونه لم يعهد ذلك الوهج من قبل، وقد تنتابه مشاعر الخوف من المضي والمجازفة في طريق مجهول، لكنه سيكتشف فيما بعد أنه أصبح شيئًا فشيئًا قادر على تمحيص ما يراه بدقة وتجلي.

بهذه الصورة المجازية يأخذنا أفلاطون إلى رحلة ارتقاء النفس البشرية من حالة الخوف من المجهول الذي أغرقها في وحل الجهالة والانكسار أمام مسلمات الواقع منذ سنين طوال، إلى حالة الإدراك والوعي بكنه الأمور. فالكهف هو تجسيد للمنظومة المجتمعية التي يعيش فيها الفرد، والقيود هي صورة لمخاوفه التي تتحكم في طبائعه وعاداته؛ وتصنع بداخله حالة الوهم التي تغل أفكاره.

يقول الفيلسوف الإيطالي أومبيرتو إيكو: “إذا أردت التحكم بالشعوب يجب أن تخلق في مخيلتها عدوًا وتصوره بطريقة تبث في نفوسهم الخوف والفزع”. تبدو مقولة إيكو مؤيدة لنظرية المؤامرة، التي تقتضي قيام جهة معينة بالتآمر سريًا على دولة أو مجموعة من الأفراد وفق خطة مدروسة بغرض الإطاحة، الأمر الذي يستلزم وجود عدو مسبق على أرض الواقع، غير أن وجهة نظر الفيلسوف تكشف حبكة مختلفة عن نظريات المؤامرة تهدف إلى التلاعب بعقول الجماهير دون اللجوء إلى الحروب الكلاسيكية المكلفة، من خلال صنع عدو وهمي لها يصعب النيل منه لتصبح نظرية المؤامرة جزءًا من المؤامرة نفسها. فتلجأ الجهة المدبرة سواء كانت دولة أو تنظيمًا، إلى استراتيجيات الحرب النفسية عن طريق البروباجاندا أو نشر الأخبار المضللة للتأثير على الرأي العام، وفق أجندات تخدم مصالحها.

يعتقد الكثير من الناس أنهم أحرار في رؤيتهم للواقع، لكنهم يتخبطون في كم هائل من الأفكار المكتسبة التي تغلغلت في الوعي الجمعي، خلال فترات من الزمن، فاستحالت إلى مسلمات جعلت من الصعب التفريق بين ما يرونه من الأحداث وبين ما هي عليه في حقيقة الأمر. وعندما يشرع الفرد في وضع أفكاره على محك النقد والتحليل، ينتابه الخوف وعدم الطمأنينة من التغيير في البداية، لكنه فور السيطرة على  ذلك الإحساس، يبدأ بفلترة تصوراته، ويتمكن من إزاحة عراقيل الوهم. تلك هي رحلة البحث عن الحقيقة التي لن تتأتى إلا بمغالبة هواجسنا لنكتسب في نهاية المطاف رؤية مختلفة نصل من خلالها إلى فهم كينونتنا وعلاقتها بالعالم الذي نعيش فيه.

لعل أبلغ مثال يكشف جسامة أثر نظريات المؤامرة وما تحدثها من الخوف على طبيعة تفكيرنا وسلوكنا في زمن ما بعد الحداثة، هو موجة الذعر التي خلفتها جائحة فيروس كورونا في مختلف بلدان العالم. بل أكاد أجزم أنه زمن الخوف في أبهى تجلياته. ولن نبتعد عن الحقيقة لو قلنا أنه تَحْت وطأة التحذيرات العالمية والهوس من انتقال العدوى.

ساد جو من الفتور بين أفراد الأسر أثناء فترة الحجر الصحي واستحالت الاحتياطات الوقائية وعمليات التعقيم المتكرر إلى هوس لا متناه فأضحى معظمنا يعيش حالة من التوهم المرضي لمجرد مخالطة عابرة مع شخص ما في الشارع أو لمس مقبض عربة المقتنيات في مركز التسوق. وتعاظم الإحساس بعدم الأمان بين الناس بسبب التباعد الاجتماعي وقلت مشاعر الثقة بين الأفراد والمؤسسات الرسمية. وأضحى الكثير منا لقمة سائغة لما بات يعرف بـ”الإنفوديميا” أو”وباء المعلومات” ويقصد به الكم الهائل من المعلومات الواردة من مصادر تحتمل الصحة أو الغلط.

وتعززت لدى الكثيرين نظريات المؤامرة التي كادت أن تتوارى بسبب محاولة العديد دحضها في السابق، لتكتسح في الآونة الأخيرة محور اهتمام الشعوب. فانتشرت الظنون بخصوص مصدر الفيروس ومن يقف خلفه انتشار النار في الهشيم، فهناك من يلقي باللوم على دولة دون الأخرى ويتهمها بالتورط في “صناعة” هذا العدو الخفي، وهناك من يدعي وجود علاقة وثيقة بين اللقاح وبين شبكة الجيل الخامس، وهناك من يعتبر الفيروس سلاحًا بيولوجيًا مهجنًا بأياد خبراء فرنسيين بتواطؤ مع مختبرات صينية… إلخ.

قطعًا لست هنا بصدد تفنيد هذه الفرضيات أو تأييدها، لكن أرى أنه من السخف إنكار فكرة المؤامرة على وجه الإطلاق، فلا ننسى عندما أغوى إبليس أبانا آدم بشجرة الخلد وملك لا يبلى وقسمه التاريخي على إضلال البشر إلا عباد الله المخلصين؛ ففي معركته الأزلية ضد بني آدم نجد “اللعين” يستخدم فيما لديه من طرق الغواية أسلوب التخويف، ولقد حذرنا الله تعالى من هذا الأمر في قوله: “ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين” (سورة آل عمران).

وأحداث التاريخ منذ قدم العصور تزخر بقصص نظريات المؤامرة والمكائد والدسائس من قبل شياطين الإنس في أعلى الدول، وكل رأي يقصي هذا الطرح هو نتاج فكر سطحي ومحدود. لكن بالمقابل لا يجب أن نوحل في مستنقع الشكوك والمخاوف ولا أن نكتفي بإصدار الاتهامات على هذه الجهة أو تلك لتبرير فشلنا، ليصل الأمر في بعض الأحيان إلى درجة تصديق فرضيات عارية من الصحة، متناسين بذلك ضرورة تغيير واقعنا. فما يهمنا بالفعل هو يقظة الوعي وكبح جماح الخوف الذي يقف وراء كل سلوك سلبي متهور

والخوف لدى إنسان زمن الكورونا، هو وجل مما هو آت يغشاه إحساس عارم بالعجز عن مواجهة مخلوق ضئيل محاط بهالة من الغموض. فهناك عملية انتقال للفرد من حالة التفاهة السعيدة واللهث وراء النزوات الاستهلاكية في سياق المادية الطاغية والفر دانية الذي كان يعيش في كنفه من قبل، إلى مرحلة اللا يقين واختلال الثوابت في عالم متغير استعصى عليه فهمه، فأدرك مدى ضعفه وهشاشته، على الرغم من الخطط  والإجراءات الاحترازية الهادفة لتجاوز الأزمة. وهكذا أضحت الحقيقة التي لا تدع مجالًا للارتياب، ما أحدثه تحول الواقع الإنساني الجديد من رجة شديدة في منطقة الأمان الداخلية لدى كل فرد، والنتيجة حالة من التيه في سراديب الحيرة ومحاولة للبحث عن الكينونة والمآل الوظيفي في عالم فوضوي اختلت فيه موازين الحياة التي اعتدنا على سيرورتها وفق نمط معين.

للأسف هذا المشهد يذكرنا بأسرى كهف أفلاطون في رحلة بحثهم عن حقيقة ذواتهم؛ ولو أسقطنا صورة انعكاس ظلال الأشكال على الجدار المقابل لهم على واقعنا المتأزم، فستكون تمثلًا لما يمارسه التضليل الإعلامي من تخويف مقصود وإرهاب فكري في أذهان البشر.

وبالمقابل نجد “أسير الخوف” يفضل في أغلب الحالات أن يقبع في سجن حياته الأزلي يستكين إليه ويوفر له قدرًا بئيساً من الطمأنينة، على أن يجابه خطرًا مجهولًا (كوباء كورونا)، ينغص عليه وهم الاستقرار. وهذا ما يذكرنا بمتلازمة تيتانيك، فالسفينة الشهيرة تعرضت للغرق بعد مضي أزيد من ساعتين، غير أن أغلب ركابها استأنفوا ممارسة حياتهم بشكل طبيعي اعتقادًا منهم أنها لن تغرق، والنهاية كانت كارثية كما يعلم الجميع.

كذلك هو الأمر بالنسبة لأسير الخوف الذي يركن إلى واقعه الذي ألفه لمجرد الإحساس بخلو عاتقه من مسؤولية إعمال العقل والمجابهة، ملقياً دومًا باللوم على الآخر.

وأخيرًا وليس آخرًا، عندما أتذكر ما شهدته البشرية في القرن السادس الميلادي جراء انتشار وباء الطاعون الذي قضى على الملايين من البشر، أي ما يعادل تقريبًا نصف سكان العالم حينئذ، يتملكني الشعور بالشفقة على الجحافل التي قضت نحبها “في صمت” بسبب تلك الجائحة الفتاكة. أقول “في صمت” لأنها لم تكن غارقة في تسونامي الإعلام الجارف كما هو الحال بالنسبة لنا اليوم، فتضخيم موجة الخوف من المرض هو أدهى من المرض نفسه.

وتبقى الخطوة الأساسية في سلم المواجهة بعد الالتزام باتباع الاحتياطات الوقائية، هي الخروج من “كهف الخوف”، وكلما اعترض السبيلَ هاجسُ الفزع من المجهول، فلا محيد عن تجديد العهد مع الخالق الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وأزمّة الأمور كلها: ” مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ”. (سورة فاطر)

ولنضع دومًا نصب أعيننا في رحلة ارتقاء الوعي، قانونًا إلهيًا عظيمًا يتمثل في قوله عز وجل: “فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (سورة البقرة).

اقرأ أيضاً: الأفكار أشبه بحطام السفينة ربانها المجتمع ورياحها الخوف

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Nada

كاتبة مقالات و مترجمة من المغرب، حاصلة على الإجازة في اللغة و الأدب الإيطالي، و الماجستير في الترجمة الأدبية والثقافية.

‫4 تعليقات

  1. تناول جد موفق وباسلوب راقي لموضوع الساعة بشكل يلمس الافكار والتساؤلات التي تخالجني كانك تجولين ليس فقط بداخلي بل بداخل اي مواطن عاش و لا زال يعيش هذه التجربة المرير ة . وفقك الله.

      1. اود اولا ان احييك على اختيارك الشجاع و الموفق لهذا الموضوع الذي يعتبر موضوع الساعة الشائك ، ثم اود ان احييك على اسلوبك الذكي في طريقة تناوله، فلك مني كل التشجيع و التنويه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق