علوم وصحة

«كلنا مرضى نفسيون».. جملة خادعة لكن حقيقية

دليل تقييم الذات لفحص اضطرابات الشخصية النفسية والسلوكية، هو اختبارٌ يمكِّن الفرد من تقييم نفسه ووصف شخصيته.

هناك أناسٌ يبالغون في الثقة بأنفسهم، وآخرون مهووسون بالسلطة بل ومخادعون وغيرهم. ولذلك قُسمت النتائج بناءً على علاقتها بـ”الأنا” إلى قسمين أحدهما يتعرف فيها الفرد الذي يعاني من اضطراب نفسي بحقيقة علته، بينما الفئة الثانية تعتقد أن المشكلة تنبع من الآخرين.

إذًا هناك نوعان رئيسيان من الاضطرابات: الأول وما يطلق عليه (Ego-dystonic) وهو ذلك الذي يعرف فيه الناس أن لديهم مشكلة نفسية ما تؤرقهم وبالتالي يسعون إلى حلها، وأما النوع الثاني فهو (Ego-syntonic)، حيث يكون مرتبطًا أكثر بالأنا؛ حيث لا يعرف الشخص بالضرورة أن لديه مشكلة نفسية، بل وأحيانًا يعتقد أن المشكلة عند الآخرين.

والآن دعني أضع لك تعريفًا لمفهوم اضطرابات الشخصية والتي تعتبر أحد أنواع الاضطرابات العقلية التي يعاني فيها المريض من مشاكل في نمط الحياة أو التعامل مع الأشخاص والمواقف. ربما سمعت من قبل أن “كلنا مرضى نفسيون”، ورغم أنها جملة خادعة إلا أنها حقيقية، ولكن الفرق بينك وبين المُشخَص هكذا؛ هو أن مرضه النفسي بدأ يؤثر على نمط حياته ووظيفته وتعاملاته مع البشر.

يحتوي الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5) حاليًا على حوالي عشرة اضطرابات نفسية مصنفة تحت ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى (أ)، وهي التي تصف الصفات النفسية الغريبة أو الشاذة، الأشخاص الشكاكة دائمًا والذين لا يثقوا بالآخرين مثلًا، بالإضافة لأولئك الذين لا يهتمون بالعلاقات وليس لهم استجابات عاطفية.

وأما المجموعة الثانية (ب)، فتشتمل على صفات الشخصية الحساسة الانفعالية أو الاندفاعية؛ فالشخصية النرجسية مثلًا قد تظهر نوعًا من الأنانية وأهمية الذات، أو تصف أصحاب الشخصية الهيستيرية وهم يحاولون جذب الانتباه دائمًا حتى بوضع نفسهم في الخطر ومحاولات الانتحار.

وأما المجموعة الثالثة (ج)، فهي تلك التي تضم اضطرابات الشخصية التي تتسم بالقلق أو الخوف وتحديدًا من التعامل مع الآخرين، وأقصد بذلك هؤلاء الذين يتجنبون مقابلة أشخاص جدد أو المخاطرة، وبالتالي يُظهرون عدم ثقة بالنفس وخوفًا كبيرًا من الهجران.

وتعتبر الشخصية مزيج من الأفكار والمشاعر التي تربطك بنفسك وبالعالم الخارجي، والتي تكونت مع الطفولة من الچينات الموروثة وبالتالي مررت لك بعض السمات، بالإضافة إلى تأثير البيئة والذي يتمثل في الأماكن والعلاقات.

ربما سمعت عن الكثير من اضطرابات الشخصية أو تراها حولك، ولكنني سأتحدث عن واحدة من الأكثر جدلًا وتحديدًا لتشابهها مع معظم الاضطرابات الأخرى، وهي اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع (Anti-social disorder) أو ما يطلق عليه “الاعتلال الاجتماعي“، عادة ما يتعوَّد أصحاب هذا الاضطراب على الكذب والخداع أو السرقة في صغرهم، والذي يذهب بهم لواحد من اتجاهين، إما يصبح شخصًا ذكيًّا يبحث عن السلطة والجاه، أو شخصًا غبيًا خسر وظيفته وكل ما حوله، وبالتالي يخلق لديه الاضطراب. والذي فيه لا يشعر صاحبه بالندم والتعاطف مع الآخرين، بل وأحيانًا يظهر سلوكيات إجرامية.

ورغم أنه ليس هناك دليل چيني واضح، إلا أن اضطراب الشخصية غالبًا ما يولِّد مرضًا نفسيًا متوارثًا بين الأقارب. وبالرغم من أنه ليس بالتأكيد كل من يتعرضون للمآسي يصبحون قتلة أو محتالين في المستقبل، إلا أن الچينات قد تجعل بعض الناس أكثر عرضة للتأثر بالتعاملات السيئة في صغرهم.

كما أن بعض الدراسات قارنت صور الأشعة المقطعية لحوالي ٤٠ شخص مدان بالقتل مقارنةً بغير المجرمين، وجدوا أن القتلة المدانين لديهم نشاط منخفض جدًا في الفص الأمامي، وهي المنطقة المرتبطة بالسيطرة على الدوافع وضبط السلوك العدواني. والأهم، أنهم وجدوا أن لديهم أنسجة في الفص الأمامي أقل بنسبة ١١٪ مما في دماغ الشخص العادي، كما أن أدمغتهم أظهرت استجابة أقل لتعابير الوجه في حالات المعاناة.

ولذلك، كان من الواضح أن أغلب المصابين بالاضطرابات النفسية يفتقرون إلى التعاطف؛ فهم ببساطة لا يستطيعون تسجيل مشاعر الآخرين. بالإضافة إلى توقُّع العلماء بوجود إفراط في نظام المكافئة في أدمغتهم. والذي بدوره يشير إلى أن حافز الاستجابة لدوافعه بغرض نيل رغبة ما قصيرة المدى —بصرف النظر عن العواقب— أقوى من الشخص العادي.

مشاكل اضطرابات الشخصية كثيرة وأغلبها يتفق في الأعراض وتحديدًا إذا ما كانوا في نفس المجموعة، ولكن المشكلة الكبرى التي تواجه الإنسان هي الأنا والتي قد لا تجعله يعترف بمرضه النفسي وبالتالي يؤثر به مع الوقت ويهلكه، ولذلك إن شعرت بأي مشاكل في الشخصية أو أعراض اضطرابية، أنصحك بالاهتمام وزيارة الطبيب النفسي، أنت لا تعرف كيف يمكنه التأثير عليك. الخيار لك.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد ياسر عامر

طالب بكلية طب عين شمس، أهتم بالفنون والآداب، كما أؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد نحو التغيير.

‫2 تعليقات

  1. الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5) ليس مقسما كما ذكرت سابقا ، فالتفسيم المذكور أعلاه : المجموعات الثلاثة هو لاضطراب الشخصيات فقط …. اما (DSM-5) كاملا فهو مقسم الى مجموعات الاضطرابات مثل : اضطراب ثنائي القطب …… اضطراب الشخصيات و غيرها …ارجو منكم تصحيح الخطأ في أقرب وقت

    1. الدليل التشخيصي (DSM-5) يحتوي على اضطرابات الشخصية مقسمة لثلاث مجموعات فعلًا، آسف غلطة كتابية وشكرًا على الملاحظة والتوضيح.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق