مدونات

كلنا تحت القيود

أي حرية نريد؟

كلنا نعرف أنه لا توجد حرية مطلقة، أي ليس لكل شخص أن يفعل ما يريد وما يرغب فيه، فإن الحرية محددة بالعقل.

مثلا قد أريد أن أمشي فوق الماء أو أن أطير في الهواء، وقد ينتابني شعور بإمكانية ذلك لكن جسدي المادي هو عاجز فعلًا عن ذلك، وسيبقى عاجزاً وحريتي في تحقيق ذلك محدودة، وسيحاول الاستعانة بالتكنولوجيا للقيام بذلك وتحقيق حلمي.

وقد أحاول أن أصير لاعب كرة مشهور وبارز، لكن حريتي محدودة مرة أخرى، هو ليس مستحيلاً مادياً، ولكن يستوجب تدريب ومواظبة لتحقيق ذلك، وهنا أجد أن حريتي مقيدة بالتدريب والمعرفة فهي مقيدة بذلك.

مثلاً قد أريد أن أعبر أنني حر، فأذهب إلى شارع الحبيب بورقيبة واستعرض نفسي عارياً، لا توجد قيود جسدية تمنعني من ذلك، ولكن سيتم اعتقالي.

الإرادة والحرية

نعرف أن حرية الإرادة تدخل في أخلاقنا وديننا، وأن التمييز بين الحرية عامة وحرية الإرادة امر مهم، قد يعتقد الشخص أن لديه حرية الاختيار بينهما، فمثلاً قد آخذ قرارًا ويسمعني أحدهم ويقول أعرف أنك ستأخذ هذا القرار، فهل من الممكن أن تكون إرادتي حرة في هذه الحالة وقد تنبأ شخص آخر بما سأقرر وسأفعل؟ وما الفائدة في تغيير رأيي في هذه الحالة إن كان شخص آخر يمكنه أن يتوقع ما سأفعله؟ لنقدم أمثلة مختلفة لحرية الإرادة:

  1. لص يسرق بنك ويقتل العون.
  2. زوج يتخاصم مع زوجته فيقتل زوجته.
  3. مجرم يغتصب فتاة ويقتلها.
  4. مريض نفسي يقتل أحدهم في الشارع.

كلهم قتلوا إنسانًا ولكن هل جميعهم مدانون أخلاقيا؟الأول هو لص مصرف اختار بحرية حمل السلاح والقتل ومارس حرية الإرادة في قراره لحمل السلاح.

الثاني هو قتل زوجته في المنزل، يمكن أن تكون زوجته استفزته وفقد أعصصابه وقتلها، فقد يكون القتل على وجه الخطأ.

الحالة الثالثة هو قتل جنسي يعتمد على حرية القاتل، فهو الذي يقرر إن كان سيفعل أم لا.

الحالة الأخيرة مريض لا يتحكم في أفعاله ولا يستجيب للموانع الطبيعية والقيود العقلانية.

هل أن العاطلين مثلًا عن العمل والذين قاموا بالتخريب هم أقل قدرة على اختيار ما يفعلونه بحرية؟ وهل الظروف الاجتماعية القاسية تكفي لتبرير تصرفاتهم والتي يعتبرها الآخر خطأ أخلاقيًا؟

إن التطرف والضغط على الشخص تشعره بأن الحرية في اختيار ما يحب قد فقده، وهذه الخسارة التي يشعر بها الفرد هي خسارة للحرية وليس للإرادة، والدليل على ذلك المتطرف الذي يقرر الموت وهو البديل الوحيد عنده.

تقييد الحرية بالابتزاز وأخذ الرهائن

الأمثلة المثيرة للاهتمام بشكل خاص على الطريقة التي يمكن بها تقييد الحرية بالابتزاز أو أخذ الرهائن، هناك ثلاث حالات أخلاقية مختلفة:

1- يحاول المبتز تقييد حرية ضحيته، وهو في حد ذاته عمل غير أخلاقي.

2- قد يُطلب من الشخص المبتز القيام بشيء يعتبره خطأ أخلاقياً.

3- قد يتصرف الشخص الذي يتم ابتزازه أيضًا خوفًا من كشف بعض الأفعال الأخرى من ماضيه إذا لم يمتثل لمطالب الابتزاز.

4- قبول المسؤولية عن هذا يخلق معضلة أخلاقية ثالثة.

وبالتالي، فإن لضحية الابتزاز ثلاثة خيارات:

1- الاعتراف بأي عمل سابق يهدد المبتز بالكشف عنه.
2- النشر العلني للابتزاز، والذي قد يتضمن أيضًا قبول الفعل الذي يتم ابتزازه من أجله.
3- يفعل ما يقوله المبتز.

وخلاصة ذلك أنه لا يوجد شخص حر تماماً، فكلنا تحت قيود جسدية أو عاطفية أو اجتماعية أو قانونية أو سياسية، وهذه القيود تتوق إلى حرية الإرادة، فإذا قررنا واخترنا ما  علينا أن نفعله، فإننا نمارس ما نعتقد بحرية شخصية، وهنا أتساءل هل تجربة الحرية حقيقية أم وهمية؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق