سياسة وتاريخ

«كلما جاءت أمة لعنت أختها».. بالإقصاء يضيع الوطن وتتوه الثورات

اعتاد المواطن العربي منذ زمنٍ بعيد على سياسات الإقصاء حتى أصبحت منهاجًا في حياته، فكلما حكمت البلاد مجموعة جديدة لعنت سابقتها واعتبرتها سبب خراب البلاد وهلاك العباد.

وأتت الثورة، أتتنا الثورة وانقسمنا إلى فريقين فريق يدعي ويحمل شعار الثورة ولا شيء غير الثورة و”أصحاب الثورة” -كما يسمون أنفسهم- لهم الأولوية في تحصينها وحمايتها ويعطون أنفسهم حق تفريق الوطنية على من يعجبهم ويسير في فلكهم.

وفريق ثاني أحس بأن الثورة ذلته وأهانته وهمشته فقرر الانتقام منها والرجوع إلى الماضي.

وكلا الفريقين ينتهج سياسات الإقصاء للآخر والحكم لوحده ولا يهمه مصير ومستقبل شعب يعاني التعاسة والفقر والبطالة.

تخاصم الفريقان وضاع الشعب، فلم يستطع فريق الثوار قبول الآخر والتعامل معه كجزء من مواطني هذه الأرض لهم حقوق، ولم يستطع فريق الثورة الخروج من المرحلة التي مر بها؛ مرحلة الاضطهاد.

كذلك فريق الحاكم الواحد المعزول لم يستطع نسيان الاضرار التي سببتها له الثورة وخسران المصالح والمغانم التي كان يتمتع بها طيلة سنوات عديدة في زمن الاستبداد.

وبين هذا وذاك وخصامهم المستمر على الكراسي والمناصب، ضاع الوطن في ظل سياسات الإقصاء وتاه الشعب ومل كلاهما.

لم يستطع كلا الفريقين إيجاد حلٍ لتعايش والاهتمام بالمواطن عوض السياسة، ولم ننجح في الديمقراطية بالثورة ولا قبلها؛ والسبب أن العقل العربي لم يستطع إلى اليوم فهم الديمقراطية وعاش في أزمة خانقة جراء طريقة تشكيل وبناء وعينا، لأن ثقافتنا العربية ترتكز على سياسات الإقصاء عكس ثقافتنا الإسلامية التي ترتكز على ثقافة التسامح والعفو والتجاوز. ومع الأسف وعينا يجرفنا نحو سياسات الإقصاء من جديد، ونبذ الآخر بمجرد أن نختلف معه وهذا سببه جهلنا وعدم فهمنا لثقافتنا الإسلامية السمحة.

والسؤال، متى تصلحون ما أفسدتموه، هل نعود ونعدل وعينا وبوصلتنا فنعيد تشكيل وعينا في اتجاه التسامح والتودد والعفو؟ لقد نجحت عدد من الدول الإسلامية غير العربية في ذلك وبنت أسس متينة للديمقراطية وتقدمت في ميدان حقوق الإنسان وبالحضارة الإنسانية، فهل نتعلم أم نواصل أخطائنا؟

لقد أخطأنا بسن مشاريع إقصائية وانتقامية ساهمت في تعزيز سياسات الإقصاء للآخر ونقمته في أمتنا العربية كقوانين اجتثاث البعت والعزل السياسي وغير ذلك.

خلق الإنسان وبنفسه نوازع الشر والخير وله قدرة على أن يغير من الفساد والشر إلى الخير والصلح وتحمل المسؤولية والابتعاد عن حب الذات وإقصاء الآخر إلى دائرة الاهتمام بالناس ومصالحهم.

إنه من الخطأ أن يعتقد أحدهم أنه بالاستبداد سيكون لهم شأن مرموق بالفساد وظلم الناس، لكن التاريخ والواقع بيّن أنه يمكن أن يكون لك موقع وتحصل على احترام الناس بخدمة الناس واحترامهم.

إن نجاح أي ثورة مرتبط باقتناع الناس بالأفكار والمبادئ التي قامت من أجلها، ولا يمكن فرض الثورة بالقوة أو الانتقام أو إبعاد من يخالفها، إن نجاح الثورات لها شروط؛ ومن أهمها أولًا هو أن تنشر الإخاء والسلام والتحاب والتجاوز والعفو.

وثانيًا، الابتعاد ونبذ سياسات الإقصاء والعمل والتعاون مع كل مكونات المجتمع بدون استثناء لأن الإقصاء يولد الكره والحقد والبغضاء.

يجب أن تعلم كيف نتغلب على كارثة الإقصاء والعداوة والبغضاء بالصبر والحلم وكظم الغيظ ونشر المحبة في المجتمع وتشجيع ثقافة المحبة بين الناس والشعوب.

اقرأ أيضًا: الفلك دوّار والحوادث لا تكف عن الغليان.. تونس نموذجًا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق