ثقافة وفنون

كفر ناحوم: حين يكون الفن قضية

لطالما كان الفن أداة للتذكرة، ولأرشفة الأحداث والوقائع، ولتخليد القضايا على مر السنين، وحتى لا ننسى…تظل السينما تجدد لنا كل يوم ألم تلك الشوكة المغروسة في ضمير كل عربي، وكل صاحب قضية، وكل إنسان.
شاهدنا بقدر ما شاهدنا من أعمال فنية تناقش قضية اللجوء، ويظل كل عمل منهم شاهدًا حيًا على المعاناة، ومن بين تلك الأعمال كان هذا:
“زين” طفل.. لاجئ سوري، يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى ليجسد معاناته هو، التقطته المخرجة اللبنانية نادين لبكي من الطريق، ليكون أفضل من يؤدي دور الطفل اللاجئ دون تكلف.

زين في سن الثانية عشرة يقف أمام المحكمة ليحاكم بجريمة لم يرتكبها، ليحاكم بجريمة أهله _نيابة عن الكبار_ ليحاكم نيابة عن العالم والفقر والحاجة والحروب الأهلية والصراعات التي ليس له يد فيها، كل ما يرغب فيه هو أن يذهب لمدرسته، وألا تتزوج أخته سحر ذات الأحد عشر عامًا من ذلك الشاب الذي يكبرها بضعف عمرها، وأن يتوقف والداه عن إنجاب المزيد من التعساء لهذا العالم الأكثر تعاسة، لأنه ببساطة لا يتبقى على فراشهم الذي يرتصون عليه مكان لطفل جديد، ولا يحتمل المنزل المكتظ بهم صراخه، ولن تفي حيل أمه لإطعام كل تلك الأفواه.

جريمة زين أنه جاء إلى الدنيا في هذا الوقت، لهذه العائلة، في تلك الظروف، ليكون لاجئًا هو وأسرته يعيشون في أحد أحياء بيروت الفقيرة، مما دفعه للعمل والانقطاع عن الدراسة ليغطي نفقات البيت براتبه الزهيد والذي يعتمد عليه أبويه في إعالة أسرتهم الكبيرة، وهو أيضًا ما سيدفعه بتطور الأحداث إلى الاتجار بالترامادول، وطعن أحدهم بالسكين حتى ينتهي به الأمر في السجن يتمنى فقط لو أن أبويه لم ينجبانه.

كما شاركت زين في قصة اللجوء شخصية (رحيل) اللاجئة الإثيوبية التي بظهورها وطفلها تبروز شخصية البطل أكثر، والذي يتحمل مسؤولية في سنه هذا لم يتحملها أبواه.
يرسل زين في أحد أقوى مشاهد الفيلم في الدقيقة 1:51:00، رسالته..
“بدي لكبار يسمعوا شو عم قول أنا، بدي لكبار يلي ما بيقدر يربي ولاد ما يجيبن…بدي اشتكي ع أهلي، لأنهم خلفوني”

زين يعلمنا كيف تُكتسب الحكمة:

قد تبدو رسالة ذات بعد فلسلفي تتنافى وعمر طفل مثل زين، فمن أين تأتي كل تلك الحكمة لطفل في الثانية عشرة من عمره ليقف أمام القاضي يطلب محاكمة أهله بتهمة إنجابه؟

ولكن الفيلم أيضًا يعرض لنا ضمنيًا كيف تُكتسب الحكمة، وكيف قد يكبر الأطفال أعمارًا على أعمارهم من هول ما يرونه، فتجد جملة زين تلك في نهاية الفيلم مبرراتها القوية للخروج، إذ يكون صاحب الصوت الوحيد المعترض على زواج أخته طفلة، وصاحب الثورة على أهله وبيته وظروفه فيفر من كل هذا ليجد نفسه أمام مسؤولية جديدة مع طفل (رحيل) فيؤدها بكل الحيل التي تعلمها، لينجو هو وطفلها (يونس) من الموت جوعًا.

قضايا مجتمعية إلى جانب القضية الأساسية:

يناقش فيلم كفر ناحوم عدة قضايا غير قضية اللجوء التي جعلت المخرجة بطلها طفل يسأل عن المستقبل، ويحلم بأقل وأزهد الأحلام، إضافة إلى قضية زواج القاصرات – جريمة قد تخلف وراءها عدة جرائم- ، والهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر، والفقر، والجهل، واستخدام الأطفال في أعمال غير مشروعة، والكثير من الجوانب التي عالجها الفيلم في مدة ساعتين بسلاسة دون القفز على الأحداث.

فقد صنع القائمون على العمل القصة كما النسيج الواحد، كل جزء متصل بغيره، وكل قضية مترتبة على الأخرى…والأصل واحد.

كما عرض الفيلم تلك القضايا من وجهات نظر مختلفة لأطرافها، فقد أعطى للأهل فرصة الدفاع بعد أن أوضح جرمهم.
فترى الصورة من زاوية الأب والأم التي يصوران فيها أنفسهم ضحايا للظروف، فعلى قدر وعيهم يرون في زواج ابنتهم المبكر إنقاذًا لها من ظروفهم القاسية، كما يرون في كثرة الإنجاب _ وخاصة الذكور_ مُعينًا لهم، فالأب يريد أن ينجب ذكرًا ليساعده في تربية إخوته، غافلًا عن حاجة هذا الطفل _ الذكر_ أيضًا للتربية والتعليم حتى يكون قادرًا على القيام بهذا الدور.

وفي المشهد الذي تقوم فيه المحامية الموكلة بالدفاع عن زين في قضيته _ والتي تلعب دورها مخرجة الفيلم نادين لبكي_ بإلقاء اللوم على الأم تصرخ فيها الأم مدافعة عن نفسها بإنها عاشت حياةً أصعب من أن تتصورها المحامية التي تقف مكانها لتلومها على إهمالها.

أدت واقعية الفيلم والقضايا التي تطرق لها، إضافة إلى الجوانب الإخراجية والكادرات المتنوعة والمعبرة وأداء الممثلين القوي وعلى رأسهم الطفل زين إلى إشادة النقاد به، وحصول الفيلم على عدة جوائز، وترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار الحادي والتسعون، كما حقق الفيلم أعلى الإيرادات في الشرق الأوسط.

تقول المخرجة نادين لبكي عن الفيلم:
“الفيلم هو مرآة للحقيقة… في آخر مشهد في الفيلم زين ينظر للكاميرا لأول مرة ويبتسم، كأنه يوجه رسالة للعالم بأنه موجود، وبأن يتوقف عن تجاهله…
كنت أفكر، إذا كان هؤلاء الأطفال يمكنهم التحدث، أو التعبير عن أنفسهم، ماذا سيقولون؟ ماذا سيقولون لنا_ نحن_ هذا المجتمع الذي يتجاهلهم؟!”
فكانت الإجابة “كفرناحوم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى