مال وأعمال

كساد عالمي مقبل.. فهل سينهار الاقتصاد الإسرائيلي أيضًا؟

العالم كله مقبل على أزمة اقتصادية خطيرة جداً، أنا لا أريد ان أكون متشائماً لكن لا بد من قرع ناقوس الخطر، كما أنه لا يعني أن العدد القليل من المصابين بفيروس كورونا في أي دولة كانت أن هذه الدولة محصنة من أي أزمة اقتصادية. وفي هذا المقال ستلقي نظرة على الاقتصاد العالمي في كثير من دول العالم بما في ذلك الاقتصاد الإسرائيلي.

هناك قاعدة مهمة في الحياة العملية والاقتصادية وبالذات في هذا الوقت أن كل ما تم التشدد في الإجراءات الصحية والوقائية بالطبع ستكون له انعكاسات وتأثيرات سلبية على الحركة الاقتصادية والتجارية.

جاء إعلان منظمة الصحة العالمية عن فيروس كورونا بأنه “وباء عالمي” كالصاعقة على الاقتصاد العالمي، وبالذات على الأسواق المالية، هذا الأمر بالطبع ألقى بتداعياته السلبية على الاقتصاد، فقد خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD توقّعاتها لنمو الاقتصاد العالمي بنصف نقطة مئوية، إلى 2.4 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008م. كما وحذرت OECD من أن تزايد انتشار الفيروس سيؤدي إلى نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 1.5 في المئة فقط، ودخول اقتصادات منطقة اليورو واليابان في الركود.

والناظر إلى واقع أسواق الأسهم العالمية يرى أن كارثة قد وقعت لهذه الأسواق، ففي سوق الأسهم في أوروبا كان سقوط للمؤشرات الأوروبية عامة، كأسواق كل من فرنسا وبريطانيا وبلجيكيا والنمسا وهولندا وتعد الأكبر في التاريخ، أما بالنسبة لألمانيا تعد هذه الضربة هي الأسوأ لها منذ أكثر من 30 عاماً، منذ يوم ” الاثنين الأسود” عام 1987م.

لقد انخفضت البورصات الأوروبية في نهاية الأسبوع الماضي بنسب تتراوح ما بين 20% و 23%، وهو وضع أسوأ بكثير مما كان عليه أيام الأزمة الاقتصادية عام 2008م.

أما بالنسبة للسياحة العالمية فقد تعرضت لخسائر فادحة بسبب الانتشار السريع لفيروس كورونا في أكثر من 180 دولة حول العالم. كما هو معلوم فإن السياحة والسفر أتاحت حوالي 319 مليون وظيفة في العالم أي حوالي 10% من مجمل الوظائف العالمية ، هذا يعني أن الموظفين والعاملين تضرروا من حيث فقدهم لأماكن عملهم، إذ تقدر خسائر السياحة في العالم حتى اليوم إلى أكثر من 50 مليار دولار وقد تصل الخسارة إلى 100 مليار دولار إذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم.

هذا بالنسبة للاقتصاد العالمي، ماذا عن الاقتصاد الإسرائيلي إذًا؟ بالنظر إلى واقع انتشار فيروس كورونا في إسرائيل نجد أنها تحتل مكانة متقدمة في مدى انتشار هذا المرض بين السكان فقد وصل حتى هذه اللحظات إلى 2030 حالة مرضية، وموت حتى الآن الى خمسة من المرضى، والواقع سيشهد معدلات أكثر في نسبة المصابين في فيروس كورونا، والانتشار جداً كثيف ،والمعادلة في انتشاره هي معادلة أسية، وهذا ينقلنا إلى الخسائر التي لحقت أسواق البورصة في تل أبيب كبيرة إذ وصل انخفاضه الى ما يقارب 8% في الأسبوع الماضي إذ خسرت بعض الشركات مئات ملاين الشواكل كشركة ديلك (شركة لبيع البنزين)، وقد تلقت صناديق التقاعد، وشركات التأمين واسهم البنوك ضربة قاسية جدا.

أما بالنسبة للسياحة في إسرائيل فقد باتت في خبر كان، حيث ترك هذا القطاع في إسرائيل وراءه آلاف الوظائف والعاطلين عن العمل، فهناك عشرات الفنادق التي أغلقت أبوابها أمام الزوار، فقد سرّحت شركة الطيران الأم في إسرائيل ELAL أكثر من 85% من موظفيها، في إجازة من غير راتب، وهم يعدون بالآلاف.

وهذا الأمر ينقلنا إلى إحصائيات واضحة في انخفاض السياحة في إسرائيل، في 17 مارس 2019 ، غادرت 241 رحلة جوية من مطار بن غوريون وهبطت 216 أجواء تل أبيب ، بينما في مارس 2020م، كان هناك 99 عملية هبوط و 82 عملية هبوط.

والأمر لا يتوقف عند السياحة بل وصل الأمر إلى كل تجار التجزئة، وبالذات المجمعات التجارية المقفلة والمقاهي الفارغة، والمطاعم المغلفة، فمثلا تجار الملابس والأزياء بالتجزئة يعانون من انخفاض كبير في النشاط، وفقد حذّرت هذه الشركات قبل شهر ونيف من تباطؤ أعمالها بعد إغلاق المصانع في الصين، والآن بسبب الإغلاق الحالي، بدأت بإرسال موظفين إلى المنازل بإجازة غير مدفوعة، حيث أعلنت مجموعة “FOX ” للأزياء، عن تسريح 8500 موظف في 700 متجر ، وأبقت على 100 موظف للقيام في عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت – وكذلك مجموعة ” American Eagle ” سرّحت مئات العمال والموظفين، كذلك أعلنت مجموعة “ZARA” لبيع الألبسة العالميّة عن تقليص ساعات العمل في المحلات المفتوحة وتسريح المئات من العمال، أمّا شبكة “Castro” الإسرائيلية للملابس، فقد فصلت حوالي 5400 موظف، وستواصل المبيعات فقط من خلال موقعها على الإنترنت. كل ذلك بسبب إنخفاض الطلب.

أما قطاع المطاعم والمقاهي في اسرائيل فقد سجل انخفاضًا كبيرًا في عدد الزوار بسبب الأمر في إغلاقها وبالطبع هذا الأمر سيؤدي حتماً إلى إعلان إفلاس بعض هذه المطاعم، إذ يوجد في اسرائيل ما يقارب 13 الف مقهى ومطعم ، يشغل ما يقارب 200 الف عامل ، وقد سرّحت هذه المطاعم والمقاهي عشرات آلاف العمال، وبقي الأمر على التوصيل للبيوت . على سبيل المثال فقد أغلقت شبكة McDonald’s أكثر من 195 فرعا لها في جميع أنحاء إسرائيل وسرّحت 4000 موظف في إجازة غير مدفوعة.

علماً أن شركة وتستعد المراكز التجارية وشركات تأجير العقارات لتخفيف الإيجار عن هذه الحوانيت.
البطالة في إسرائيل ستزداد يوما بعد يوم، وسيصل عدد أصحاب الإعانات من التأمين الوطني (الضمان الاجتماعي) خلال شهر مارس فقط إلى ما يقارب 750 ألف عامل وموظف، ومن المتوقع وفق تقديرات الضمان الاجتماعي أن العدد سيصل إلى مليون عاطل عن العمل حتى نهاية الأعياد اليهودية حتى بدايات شهر أبريل ، حيث هذا يعني أننا امام كارثة اقتصادية حقيقية والأزمة الاقتصاديّة ستتفاقم، الخسائر للاقتصاد الإسرائيليّ ستصِل وفق تقديرات وزارة المالية الاسرائيلية إلى 26 مليار دولار، علاوة على أن نمو الاقتصاد الإسرائيلي هذا العام سينخفض بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات الخبراء ، بل إن الخسارة اليومية في السوق الإسرائيلي تساوي 2 مليار دولار.

كما أن عائدات الدولة ستنخفض بنحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي حوالي 17 مليار شيكل، أو حوالي 5% من الإيرادات السنوية.

ولذلك فإنه ينتظر سكان دولة إسرائيل ما بعد انتهاء أزمة تفشي الفيروس، أزمة كبيرة في الاقتصاد الإسرائيلي يصحبها حملة لرفع الضرائب على السلع والتجارة والشركات والأرباح بمعنى ان المواطن سيتضرر بالطبع من وراء هذه الحملة ، كل ذلك للعمل على عدم توسع العجز، والذي أصلا الدولة هي في عجز ما قبل الكورونا في حدود 16 مليار دولار، واليوم وصل عجز الدولة من الميزانية العامة 34%.

كل ذلك وميزانية الدولة لم تُقَّر حتى الآن، لعدم وجود حكومة، وهذه الحكومة هي حكومة تصريف اعمال وهي تُدير الدولة، مع ذلك هي غير مخولّةٍ لسنّ قانون الميزانيّة، الأمر الذي يزيد الوضع سوءًا.

نحن نعيش في هذه الفترة ما بين كساد وغلاء بنفس الوقت، وهذا أمر ليس من ديناميكية وقواعد النظام الاقتصاد وهو قلّ ما قد يحل ، لكن هذا الأمر بالطبع بدأ نتاجه يظهر في الأسواق التجارية في إسرائيل، في الوقت يبدأ وتبدأ فيه الحكومات بضخ أموال للتداول بسرعة كبيرة، وبمبالغ هائلة، لكن بالنسبة إلى الاقتصاد الإسرائيلي فما زالت الحكومة غير قادرة على اتخاذ قرارات بضخ الأموال في السوق.

فإذا سرنا في هذا المسار فإن العالم أجمع سيكون في مرحلة إنهيار النظام المالي العالمي، بفقدان الثقة حينما يتوقف الشخص عن الثقة في شريكه التجاري، ما إذا كان سينهار غدا أم لا؟

ومن هنا لا بد من دعوة الدول ككل أن لا تعالج تلك الأزمة بعشوائية، بل لا بد لها من تخطيط واضح وملموس بشفافية كاملة لمواجهة الأزمة، مع وضع سيناريوهات للمواجهة في الأجل القصير والأجل المتوسط والأجل الطويل. فلا يوجد للآن تنبؤ واضح يعكس متى تنتهي هذه الأزمة التي تفتك بالإنسان والاقتصاد.

 

قد يهمك أيضًا : تأثير وباء فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي وشركات الاتصال

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أنس سليمان

د. أنس سليمان أحمد ، محاضر جامعي ومتخصص في الاقتصاد والتمويل الاسلامي . كاتب وناشط اجتماعي، ومحاضر جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق