مدونات

كتاب قطر في عيون الرحالة

إن العمل على تقييم جودة عمل أدبي أمر يتطلب دراسة معايير ودلالات معينة حال توافرت في العمل أم لا. وبناءً على ذلك قمنا بتحليل العمل ودراسته بعناية، يمكن تصنيف كتاب “قطر في عيون الرحالة” في مكتبة الدراسات الكلاسيكية، حيث تعمق الكتاب في دراسة وتأصيل جوانب ذات أهمية من التاريخ القطري، في حين لم تكن هذه المعلومات التاريخية سهلة المنال من قبل، ويعد نشر هذا النوع من الكتب إثراء في مجال الدراسة لتصبح في متناول الباحث لينهل بما يحتاج، وبذلك فان الكتاب فريد من نوعه في إطار الدراسة التي تخصص بها.

قطر في عيون الرحالة .. انتهج فيه مؤلفه الدكتور علي الهاجري أساليب الدراسة التحليلية والاستقصائية ليرسم لنا صورة أكثر وضوحًا عن التاريخ القطري في العديد من جوانبه، في حين تطرق الكتاب أيضًا الى بعض القضايا الشائكة إلى حد ما في تاريخ قطر ومنطقة شرق الجزيرة العربية، دون أن يحيد الكاتب عن منهج البحث العلمي المتبع في كافة فصول الكتاب، مستندًا إلى كافة الروايات والاحداث ذات الصلة بالقضايا المطروحة.

قطر في عيون الرحالة” هو كتاب مرجعي للتاريخ القطري بامتياز، وذلك لأنه اتخذ مبدأ الحياد في الحصول على مصادر المعلومات وذهب للنظر في اراء الرحالة بما رأوه وعاصروه خلال ترحالهم في منطقة الخليج العربي ودولة قطر تحديدًا، فلابد لأي مرتحل أن يقوم بنقل الصورة الصافية بكل شفافية دون الاسترسال في المدح أو الذم، وبذلك يكون الكاتب قد جرّد الكتاب من أي تناقضات أو انحيازيات عرقية أو عنصرية وما الى ذلك.

“قطر.. قبلة المظلوم، وملجأ الملهوف، ومهوى أفئدة أصحاب الاحلام العظيمة والعزائم الصادقة” هكذا استهل الكاتب كتابه الذي تحدت فيه عن قطر وتسميتها مفصّلا إياه تفصيلا مميزًا لم يتطرق له أحد من قبل، في وقت قد ظهرت فيه تساؤلات عدة عن أصل تسمية (قطر) وهل هو اسم حديث مستحدث أم قديم قدم حضارة هذه الأرض، كما يُظهر الكتاب مدى عمق الحضارة التي تواجدت آنذاك في تلك الدولة والمنطقة ككل، فيبحر بها الكتاب في القارئ الى عصور قديمة لتضيء قلوبًا معتمة يملئها الفضول للتاريخ كالشمس التي تشرق على جزيرة نائية باردة.

قطر في عيون الرحالة .. تطرق الكتاب أيضًا الى أبرز المشاهد لأولى خطوات الاستيطان البشري في قطر، ذاهبًا بعد ذلك إلى مظاهر التواصل الحضاري والتلاقح الثقافي بين الإنسان القطري القديم وما حاط به من البيئات الأخرى سواء على الجانب الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي وكيف تفاعل مع هذه البيئات بشكل إيجابي جعل منه قادرًا للوصول إلى الدور الحضاري وإضافة بصمته الخاصة ليساهم البلد ككل في مسيرة المعرفة الإنسانية على مدى الأزمان.

كما وذكر الكتاب المحطات التاريخية لقطر في العصر الإسلامي وكيف كانت تمر بتحولات أثَّرت بشكل كبير على الحياة الدينية وتفاعل المنطقة هناك، مقسمًا إياها إلى أقسام، مفصّلاً إياها بشكل دقيق وذكرها كلٍ على حدة سواء مرحلة الدخول في الإسلام وعصر الرِّدة وما بعد ذلك الى عصر صدر الإسلام، وكيف لعبت قطر في تلك الحقبة دور كبير في الفتوحات الإسلامية وكيف أصبحت أول قاعدة عسكرية بحرية في الاسلام مصطحباً القارئ بعد ذلك لقطر في العصران الاموي والعبّاسي ودورها اقتصادياً على الدولة آن ذاك.

قطر في عيون الرحالة .. الجدير بالذكر انه يمكت لمتصفح هذا الكتاب استعراض الكثير من الصور لأماكن أثرية ساحرة تبعث في القلوب فضول هائل للتواجد فيها ولو للحظة لما تخبيه هذه الأماكن من أسرار وعوالم خفية وتساؤلات خامدة تُثار في قلب القارئ لمجرد النظر إليها ليجد أجوبتها في نصوص الكتاب نفسه، واحتوى كذلك على صور لأدوات قديمة كانت تستخدم في تلك الحقبة مثل جِرار الماء والأواني الأثرية وغيرها من الأدوات حيث عُثر عليها حديثاً وتعود لازمان قديمة جدا.

تنوع زخم الكتاب في المحتوى الأدبي التاريخي فإضافة لكل ما سبق قام الكاتب بسرد بعض الأحداث التاريخية بطريقة أدبية بأشعار وقصائد تعود بالقارئ الى محطات التاريخ لتسرد قصص فريدة، ومن أجمل الأبيات الشعرية الموجودة في الكتاب أبيات قيلت بعد ظهور بوادر الاستقلال للمنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية بعد موقعة (ذي قار) فقال الأعشى مفتخراَ:

فــدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي     وراكـــبها يــوم اللقـــاء وقــلـت

كفوا اذ اتى الهامرز تخفق فـــوقه     كظـل العــقاب اذ هـــوت فتدلت

أذاقـــوهم كـاســا من المـــوت مرة     وقد بـذخـــت فرسـانهـم واذلت

فصــبحــهم بالحنــو حنـــو قــراقــــر     وذي قارها منها الـــجنـود ففلت

على كل مـــحبــوك الســراة كــأنه    عقاب سرت من مرقب اذ تدلت

فجادت على الهامرز وسط بيوتهم    شــابيب موت اسلبت واستهلت

تناهت بنـــو الأحزاب اذ صبرت لهم    فــوارس من شيبان غلب فولت

يمكن القول إن هذا العمل هو أكثر من مجرد مرجع تاريخي، بل إنه عمل أدبي منتوع يأخذ من كل ما امتازت به هذه البقعة في الماضي من حياة ودين وأدب وعلم واقتصاد وسياسة، ويعتبر إضافة كبيرة للمكتبة العربية والقطرية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى