ثقافة وفنون

كتاب التيجان في ملوك حمير: أسئلة وإجابات

إنّ الحديث في مقال هذا مثل الذي أزمع البدء فيه، لا يهتمُّ فيه كاتِبُهُ بجملة الكتابات التي قيلت حول موضوعه؛ فهو يتطرق إلى تسجيل ملاحظات الكاتب الشخصية، وبصورة أدقّ كيف قرأ كتاب التيجان لوهب بن منبه؟؛ لكن أعتقد أني خالفت ذلك النمط المألوف؛ حيث شرعت بقراءة واسعة حول ما قيل عن الكتاب؛ وذلك حتى لا أكرر كلاما قيل فيه؛ فجمعت عدَّة نقاط رئيسة استنبطها منه، ثمَّ حاولت أنْ أفحص إنْ تنبه إليها أحد قبلي.

لا يظن واحد من القراء أنَّ هذا جديدا من الكاتب فيما وصل إليه؛ بل هي الحقيقة التي لا تحتمل الظن، فهو بدعًا في أن أضع يدي على قضايا مهمة لم يتبه إليها واحد قبلي، لا لقلَّة علم، أو نقص في خبرة نقد؛ إنَّما لتأثره بالوضع القائم في سياسة النقد التي ألفها القُرّاءُ في مختلف الكتابات، أنا أتحدث عن غياب الموضوعية في النقد، عن الصورة المسبقة التي تتجلى في ذهن الناقد من خلال عتبات الغلاف للكتاب، أسم المؤلف، فكره، ثمَّ الأهمَّ من ذلك عنوان الكتاب؛ إذ من خلاها يستطيع أن يكتب مقالا (رائعا) يقدِّمه للقراء ينال إعجاب شريحة عريضة منهم، كانوا تأثروا بما تأثر به، فلا هو قرأ بموضوعية، ولا هم أُنصِفوا فيما قُدِمَ إليهم، إن الحديث يدور عن أثر الموروث في معالجتنا للنصّوص الموروث، ولست أُعَجبُ بغير ما قاله الدكتور أحمد عمارة: “النهايات تؤثر في البدايات”، نعم فقناعاتنا المطلقة حول النهايات تتحكم عندنا في البدايات.

إنَّ مثل تلك المقالات الكثيرة، أستطيع الآن أن أكتب مقالًا كاملًا، ألخص فيه الكتاب ناقدًا، ومعلقًا؛ لكن من زاوية مغايرة تنطلق من مبدأ إعجابي بالكتاب، وحبي لوهب بن منبه، أو بما قرأته عنه ومديح العلماء له؛ ليتلقفه القارئ وكأنَّه علم جديد كان ثمرة دراسة موضوعية جادَّة، وهو في الحقيقة ثمرة هوى أحدثه الموروث في نفسي، ومن يجادلني في هذا؟ فهذا رأي من أخذنا كلامهم بالتسليم دون تمحيص.

إنَّ الغاية من مقدمتي هذه ليست لذاتها؛ بل لما سوف أعرِّجُ عليه من مقالتي هذه، وهي مسائل أثارها كتاب التيجان عندي، خصوصًا مع غياب الموضوعية من كتاباتنا، وهي أولى المسائل والمفتاح إلى غيرها.

في سياق بحثي حول ما كُتب حول الكتاب، وقع بصري على مقال للدكتور عبدالله الرشيد يهاجم فيه الكتاب وصاحبه، معتبرًا الكتاب من الغثِّ الذي لا فائدة من قراءته؛ والسبب أنّه عبارة عن مجموعة من الخرافات والأساطير التي لا فائدة من قراءتها، وهذا رأي منتشر في كتابات كثيرة لعدد من الدارسين؛ لكن هل حقا كانت الأساطير خزعبلات لا فائدة من قرائتها، ألا تمثل إرثًا ثقافيًا عريقًا يحمل في طياته علومًا ومعارف -على أقل تقدير بالنسبة لأصحابها-؟؛ بل أقول واثقًا، كانت ديوانًا موسوعيًا لتلك الأمم.

ما بالنا في نقدنا نطعن –على عجل- في كلِّ ما ظننا فيه مخالفة الدين؟.
لا ينكر مسلمٌ أنّ الإسلام الحنيف حارب المعتقدات الوثنية، وهذا لا شكَّ فيه مطلقًا؛ فهذا طبيعي لدين يريد أنْ يرسِّخ عقائد جديدة ويستبدلها بعقائد منحرفة كانت سائدة؛ لكن هل أخبر الإسلام أنَّ تلك القصص هي مجرد خزعبلات وحسب؟، في سياق ردّ المشركين على الرسول الكريم، سجَّل القرآن الكريم ذلك الحوار الخالد، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَة وَأَصِيلا﴾الفرقان5؛ وذلك لتشابه تلك القصص مع ما هو موجود في مخزونهم الثقافي، فكيف تعامل الإسلام مع موقف المشركين وقتئذ؟، قال تعالى موجها نبيه محمد-صلى الله عليه وسلم- قائلا: ﴿ قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورا رَّحِيما﴾، فلمْ يقارن القرآن بين ما هو صحيح نزل به، وبين موروث تخلَّد في الفكر الجمعي للمجتمع؛ فكيف لنا أنْ نسقط ذلك الموروث بغثِّه وسمينه؟، والحقيقة أنَّ قصص القرآن الكريم هي من القصص المتناثر على ألسنة الناس، أليسوا سألوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن ذي القرنين، وعن الروح، وعن الساعة؟، وهل في القول إن في تلك الأساطير والقصص شيء ينتفع به مخالف للإسلام في شيء؟.

الجواب: لا، فالأساطير فيها من العلوم والمعارف الشيء الكثير الذي لا يخفى على باحث، ووهب بن منبه حينما سجَّل كتابه التيجان إنَّما نقل مورثًا ثقافيًا جمعيًّا، كان رائجًا بالضرورة في عصره وما قبله بقرون، سواء أعجبنا ذلك الموروث أمْ لا، فهو موروث يُحترم بكلِّ مكوناته، ثمَّ إنه نُقِل عن عالمٍ مسلمٍ ثقة، كان حجة في كثير من المصادر الدينية القديمة والحديث على السواء؛ فما بال ابن كثير، والطبري، وابن سيرين، وغيرهم، يستندون عليه في كتاباتهم؟، ثمَّ إنّ وهب بن منبه راوٍ للحديث الشريف، وهو من الثقات في نقله، وكأني به في هذا يقول: إنّ مثل هذا النقل لا علاقة له بالموروث الإسلامي الذي كان أصلا سببا في نقله وتدوينه.
لا أختلف مع القائلين إنَّ ابن منبه بالغ في قصصه؛ فهي ببساطة قصص لا تتساير مع العقل؛ لكن ما شأن الرجل إنْ كان سجَّل ما في ثقافة أمته، وقصص المجالس، وأزقة الشوارع؟، فهل كان الشعر الجاهلي الذي أخذنا به بالتسليم حقيقيا؟، ألمْ يحمل كثيره ملامح أسطورية أسطرت الأشخاص، والأحداث، ومثله الأدب الحديث الذي بين أيديا، وأشدُّ قربًا منه الأفلام، والمسلسلات، بما فيها من مبالغات وأحداث خيالية لا تمسُّ الواقع بطرف؛ فهي تُعرض ليل نهار نتقبلها بعدِّها تصِّور واقعنا الذي نعيش فيه، هذا تمامًا ينسلخ على ذلك الموروث الذي نقله وهب بن منبه.

لماذا نُنَفِّر القرآءَ من الاقتراب من كتاب التيجان بعدِّهِ رجسًا من عمل الشيطان؟، ما الضير في أنْ يُقدَّم الكتابُ بصورة منصفة، فمن أُعجب به كان به، ومن رفضه هو حرٌّ في اختياره؛ لكن لا يمكن بحال من الأحوال ردّ كتاب موسوعي بجملته؛ لأنَّ فيه بعض المبالغات والكذب -كما يقولون-، قَدِّمِ الكتابَ كما هو، ثمَّ علِّقْ على غريبه؛ لكن لكن منصفين في ذكر مآثره بما يحتويه من معلومات مهمة حول تاريخ الأمم وتأريخ الأشخاص.

إنَّ مسِّرح الخاطر في المبالغات، أو الخزعبلات -سمِّها كما شئت-، بعين البصيرة، يجدها تنقسم إلى شقين الأول: ما يخالف العقل والمنطق وهي ما كانت سببًا في ردِّ الكتاب، والثاني: ما فيه من العلم المفيد، خصوصا فيما يتعلق بتاريخ اليمن وملوكه وغيرها؛ لكنَّ المهمَّ في هذا السياق، هل كانت تلك المبالغات لتضرَّ إنْ بقيت؟، قلْ عنها لا تنفع؛ لكن من العدل أنْ تقول إنّها لا تضر، فهل من ضرر قد قد تحدثه؟ ببساطة الجواب لا شيء؛ فنظرة في تفسير ابن كثير مثلًا، نجده مليئًا بمثل تلك المبالغات، هل أساءت للتفسير شيئا؟، إقرأ فيها تجد ذكرًا لتفاصيلَ لا تؤثِّر في تلك القصص شيئًا، ثمَّ إن ذكرًا لإشعار تنسب لآدم عليه السلام ما الضير في أن نقول هي منحولة ونمضي؟، لكن أنْ نهمل الكتاب كلَّه بسبب احتوائه مثل تلك المبالغات، أمر غير صحيح.

إنَّ واحدةً من المسائل المهمة التي أثارها الكتاب هي قضية الموروث، يكاد يجمع العلماء على ثقة ابن منبه في نقله، ومصداق ذلك الاستئناسُ به في كثير من المؤلفات القديمة، يقول فيه الإمام الذهبي: “وهب بن مُنَبّه عَالم أهل الْيمن ثِقَة لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ضعفه الفلاس”، وهو عند ابن منظور ” تابعياً ثقة”، وَقَالَ النَّسَائِيُّ فيه أنّه: ثِقَةٌ، وقد سئل أبو زرعة عن وهب بن منبه فقال: يمانى ثقة؛ لذلك لم يتحرَّج العلماء في الأخذ عنه؛ لكنَّ السؤال الذي يُطرح في هذا السياق، ألا يرمي هذا –بأقل تقدير- إلى أنَّ بعض ما جاء به صحيح؟ إنْ كان ذلك كذلك، كيف نسقط كتابه جملة وتفصيلا، ثمّ إذا ارتأينا أن نردّ الكتاب على صاحبه وجب علينا أن ننظر في موروثنا نضرة فاصحة، خصوصا ذلك الموروث الذي سلَّمنا به، بحجة أنَّه وصلنا من علماء ثقات؛ حتى وإن كان يخالف العقل؟، حتى وإن كان يخالف بعض القران كما في كتاب وهب؟، إنَّ الكيل بمكيالين في التعامل مع مرويات وهب غير مقبول؛ فإمَّا أنْ نردَّ كلَّ ما قال به جملة، أو إن نأخذه كله، ولا يجوز أن نتبنى ما يوافق الموروث عندنا ونردَّ ما يخالفه.

لا يُفهم من وقولي أنَّ نصدِّق كل ما جاء في الكتاب، بعدِّهِ حقيقة، لا؛ إنما أن ندرك أنّ الكتاب كان موروث أمّة قد خلت لها ما كسبت، ونحن لنا في موروثنا ما اكتسبنا، فبعض موروثنا مخالف للعقل يرفضه غيرنا، فالغاية من القول هو أن نميز بين الموروث الديني والموروث الثقافي الأدبي، وإلَّا لاختلط الأمرُ على غيرنا في موروثنا الديني، كما اختلط علينا موروث من كان قبلنا، وإلا كيف نقنع كتابيًا أو ملحدًا بتفاسير القرآن والكثير من الكتب الدينية التي تحوي قصصا وأساطير، تتنافى مع العقل والمنطق؟

هي أسئلة مشروعة، لا نمرُّ عليها مرور الكرام، ثم لا نجيب عيلها بأن نقبل بما قال به وهب في التيجان، لا؛ إنَّ الغاية من مثل هذه التساؤلات هي التحريض على وقفة فاحصة مع بعض كتب التراث التي سلَّمنا بها جدلا، دون فحص أو دراية بحجة أنها صدرت عن علماء ثقات كانوا أعلم منِّا بالدين وعلومه.

زر الذهاب إلى الأعلى