مدونات

كبرياء انثى ولكن نظرات الساحرة لا تكذب

في سمرة نوفمبر وأمطاره، في زحمة المدينة.. رياح فصل الشتاء الباردة المتقلبة، دعاني إلى شرفة المقهى المطل على البحر، أشياء كثيرة كانت تدور في ذهني، قمت مسرعا إلى حيث كان اللقاء،ثم جلست أنتظر قدومه، طلبت من النادل أن يحضر لي كوب قهوة بالفانيليا، اعتصره كما يعتصر قلبي الحزين، الأمطار الغزيرة ورياح تزيد المكان جمالا ورونقا خاصا…

القهوة على الطاولة،لم أنتبه إلى الأمر، النادل ابتسم في نهم وغادر دون أن يحدثني كما عهدته يفعل كلما زرت هذه القهوة،  فلربما أحس بسحر ما كنت احس به وأنا أنظر إلى الأمطار الغزيرة، تمنيت لو أنها كانت معي هنا، كانت تمر ببالي كلما لمحت عيني عشيقان على شاطىء البحر، الساحرة التي سحرت قلبي، صاحبة الخلخال المزركش الذي كان يزين اسفل الساق، بعيدة كل البعد الآن، تتمنع ولا تريد أن تعترف بذلك، لا تريد ان تعترف بالحب الصغير الذي يخالج قلبها.

الحب لا يموت أبدا، قد يعيش خمسين عاما، صديقي المغفل لاكشمان هكذا كان يقول لي كل يوم… لا يهم الوقت يمضي بسرعة جنونية، القهوة شارفت على الإنتهاء، صديقي الذي وعدني لم يأتي حتى الآن، الأمطار بدأت تخف نوعا ما، الرياح هدأت، تسربلت أشعة شمس مساء خافت من تحت السحاب، خرج العشاق وانا هنا لوحدي، الجريدة التي تؤنسني تصفحتها اكثر من مرة، الأخبار هي نفسها كما عهدت، أشياء كثيرة مكتوبة توحي بالعدم والحزن، لا شيء يعجبني، هي الوحيدة القادرة على فعل ذلك، قادرة على أن تجعل حياتي جنة أو تقلبها الى جحيم لا يطاق..

الولد الصغير يعلب الكرة، سعيد بما يفعله، لا يدري قدره بعد سنوات في الحب والعشق، لقد كنت قبل هذا أسعد الناس، أكبر همي أن يمر من أمامي مشهد فانفجر ضاحكا، الوضع تغير كثيرا بعدها، الحب اللعين الذي بداخلي يجعلني افقد كل شيء في سبيل الوصول إلى قلبها، وكأنها الوحيدة في هذا الكون الكبير، تعاسة جميلة يحس بها كل عاشق عندما يحقق ما يريد، لكني دوما وابدا ما عرفت هذه الحلاوة، كل شيء في ساحرتي غامض ومبهم، قلبها ليس لأحد وجزء منه لي ولربما كله ، ولكن كبرياء أنثى أقوى من حب الرجل أحيانا..

لا شيء أقوى من صبري واصراري في الوصول إلى قلبها، هي تعلم اني أحبها كثيرا، تعلم صدق مشاعري، ولكنها تتفنن في تعذيبي، تعذيب حتى الموت، قد يستمر حتى نهاية العالم.. كلهن متن في عيناي،وسواها تحيى في قلبي إلى الأبد.. هكذا كنت امضي كل يوم اكتب الخواطر وعذب الكلام والأشعار، هناك في مدينتها، كل يوم كنت اتخيل نفسي اقف امامها ماسكا يديها، أنظر إلى تلك العيون الجميلة الجذابة، الى الشفاه والشعر…الحيرة كانت تقتلني كل يوم، أقول عادة وأنا احزم جراح نفسي والف قلبي الحزين بلفاف الصبر.

-“لقد أتيت إلى هنا من أجل العمل وليس من أجل الحب فليذهب قلبي إلى الجحيم”..
في اليوم الموالي، أنظر إلى الساحرة التي ورث جمالها سحر العالم كله، فانسى كل شيء،وأصبح مستعدا للموت من أجل الفوز بقلبها، حتى عندما غادرت للمرة الأخيرة، ذهبت اتفقد كل مكان كانت تجلس إليه، كل ركن كانت تبتسم فيه، إلى المكان الذي سحرتني فيه أول مرة..ثم أتذكر كلماتها وخجلها ودورها في حكاية عنثرة وعبلى، أضحك قليلا وأنصرف إلى تفكير عميق ينتهي بصوت عالي يقول لي:

– “ستكون لك مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن..فلربما تحبك أو ستحس بذلك بعد سنوات”..سنوات سنوات انا تعيس الحظ كالعادة يا صديقي العزيز.
وفي غفلة مني جاء الصديق ومعه الإبتسامة الجميلة التي لا تشيخ ابدا، كلما التقينا بدت على محياه، جلس بعد أن اعتذر على التأخر وليس من عادته، ثم طلب من النادل فنجان قهوة إيطالية، تصفح الجرائد والمجلات كلها، ثم رماها بعيدا بعيدا، الأخبار لا تصلح لأن نهتم بها مرة أخرى ،لا شيء جديد،الهموم والأحزان ومشاكل الحياة في كل مكان…هكذا كان يقول قبل ان ينظر إلي وشيء ما يوحي على أنه يريد سماع خبر ما، القصة القصيرة التي نشرتها مؤخرا، يعلم أنها قرأتها، لكنه لا يعلم ردة الفعل تجاه الموضوع..

همهم وتمتم قبل أن يدخل الى صلب الموضوع… السؤال نفسه الذي كنت أتوقعه، تأملت كثيرا في الجواب، قبل أن نستغرق وقتا طويلا في الكلام، يعجبه أن أتحدث كثيرا وهو منصت الى ما اقول، يطلق علي فنان الخطابة والإلقاء…

الساحرة قرأت القصة واعجبت بها ولربما كثيرا يا صديقي إنها فتاة غامضة وعميقة في الوقت ذاته، لم تفصح عن شيء معين، اعترفت على أنها كانت تنظر إلي وإلى عيناي، وهذا غير كافي لكي أقول مرة أخرى إنها ستحبني… اللعنة يا صديقي انا لا أصلح بتاتا للحب، أو أني احببت الشخص الخطأ..

أكمل ما كان في الكوب من قهوة، وأرسل نظراته إلي من جديد دون أن يتحدث على غير العادة، صمت رهيب يعم المكان، أمواج البحر على اعتاب المقهى التي بدأت تخلو من روادها، بعد مساء رومانسي طويل، بالنسبة لهم للعشاق الذين كانوا يمرون من أمامي وخلفي، أما أنا فإني لا أملك غير الساحرة وان كانت بعد المسافات واختلاف كل شيء بيننا…
وقف من مجلسه وقال: “نظرات الساحرة لا تكذب”…رددها اكثر من مرة، ثم غادرنا القهوة،رسالة بهاتفي من الساحرة الجميلة… على طول الطريق أعيد ما قاله لي صديقي الغالي، نظرات الساحرة لا تكذب، لكن كبرياء الأنثى يجعلها ترفض الخضوع والإعتراف.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق